آلأخلاق بين المطلق والنسبي

بواسطة yahya


لا تدخل المجتمعات أزماتها الكبرى عندما تختلف في المصالح، بل عندما تختلف في معنى الحقيقة نفسها. فالصراع السياسي، مهما اشتد، يظل قابلًا للإدارة ما دام المتخاصمون يحتكمون إلى منظومة أخلاقية مشتركة؛ أما إذا أصبح الصدق مجرد وجهة نظر، والعدل مجرد مصلحة، والكرامة مجرد شعار، فإن الخلاف يغادر دائرة السياسة إلى دائرة العدمية.
لقد أدرك أفلاطون أن المدينة لا تحفظها القوة، بل يحفظها تصور مشترك للخير. وأدرك كانط أن الحرية لا تستقيم إلا إذا كانت محكومة بقانون أخلاقي يتجاوز إرادة الأفراد. أما الفكر المعاصر، منذ نيتشه وحتى تيارات ما بعد الحداثة، فقد فتح الباب أمام تصور آخر يجعل القيم نفسها موضوعًا للصراع، لا مرجعًا يحتكم إليه المتصارعون. ومن هنا بدأت الأزمة: لم يعد الخلاف يدور حول الوسائل، بل حول وجود الحقيقة الأخلاقية أصلًا.
هذه الإشكالية ليست بعيدة عن واقعنا الوطني. فما يطبع كثيرًا من الخطابات العامة اليوم ليس اختلاف البرامج، وإنما انهيار الحدود الفاصلة بين النقد والتجريح، وبين المعارضة والخصومة، وبين حرية التعبير وإباحة الكذب أو التحريض أو اغتيال السمعة. وحين تصبح اللغة السياسية منفصلة عن الضابط الأخلاقي، فإنها تتحول من أداة لبناء المجال العام إلى وسيلة لهدمه.
إن أخطر ما يهدد المجال العمومي في أي مجتمع ليس تنوع الآراء، وإنما نسبية القيم. فحين يصبح الكذب مقبولًا إذا خدم الحزب، والتشهير مشروعًا إذا أصاب الخصم، والتنصل من المواقف فضيلة إذا اقتضته المصلحة، فإن المجتمع لا يكون أمام أزمة سياسية، بل أمام انهيار في البنية الأخلاقية التي تجعل السياسة ممكنة.
وهنا تظهر المفارقة التي نبه إليها ألاسدير ماكنتاير: فالمجتمع الذي يفقد مرجعيته الأخلاقية لا يختفي فيه الخطاب الأخلاقي، بل يزداد حضورًا؛ غير أنه يتحول إلى مجرد لغة لتبرير المصالح. تصبح كلمات مثل "العدالة" و"الوطنية" و"الحقوق" و"الديمقراطية" أدوات في الصراع، لا قيمًا تحكمه. وهكذا يغدو كل فريق أخلاقيًا في وصف نفسه، وعدميًا في ممارسته.
ولعل هذا ما يفسر حالة الاستقطاب التي تعرفها مجتمعاتنا؛ إذ لم يعد الخلاف حول الوقائع وحدها، بل حول المعايير التي تُقاس بها الوقائع. وإذا ضاعت المعايير، لم يعد ممكنًا إنتاج ثقة عامة، ولا بناء توافق وطني دائم، لأن الثقة لا تُبنى على توازن القوى، بل على الاعتقاد بوجود حدود أخلاقية لا يجوز لأي طرف تجاوزها.
إن الدولة تستطيع أن تفرض القانون، لكنها لا تستطيع أن تفرض الفضيلة. والفضيلة لا يصنعها النص القانوني، بل تصنعها الثقافة الأخلاقية للمجتمع. ولهذا فإن إصلاح المجال السياسي يبدأ من إصلاح المجال القيمي؛ لأن المؤسسات لا تؤدي وظيفتها إلا إذا سكنتها أخلاق المسؤولية، لا مجرد قواعد الإدارة.
وليس المقصود بالدفاع عن المرجعية الأخلاقية الدعوة إلى مصادرة الاختلاف أو فرض وصاية فكرية، بل التأكيد على أن الاختلاف نفسه يحتاج إلى أرضية مشتركة. فلا ديمقراطية بلا صدق، ولا معارضة بلا مسؤولية، ولا سلطة بلا مساءلة، ولا حوار وطني إذا أصبحت الحقيقة مجرد وجهة نظر، والأخلاق مجرد خيار شخصي.
إن الأمم لا تنهار يوم يكثر فيها المختلفون، وإنما يوم يختفي منها الاتفاق على الحد الأدنى من القيم التي تجعل الاختلاف نفسه ممكنًا. لذلك فإن السؤال الذي يواجه موريتانيا اليوم، كما يواجه غيرها من الدول، ليس فقط: أي مشروع سياسي نريد؟ بل قبل ذلك: أي إنسان نريد أن نبني؟ لأن الدولة ليست بناءً قانونيًا فحسب، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تصور أخلاقي للإنسان وللعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان.
إن أخطر مظاهر النسبية الأخلاقية ليست أنها تبرر الخطأ، بل أنها تنزع عن الصواب صفته المعيارية. وعندما يحدث ذلك، يصبح المجتمع غنيًا بالقوانين، وفقيرًا في الضمائر؛ قويًا في مؤسساته، هشًا في روحه. وتلك، في تقدير الفلسفة السياسية، هي البداية الحقيقية لأفول الأمم.
محمدسالم وذان