بقلم الدكتورة زينة الرافعي
بعد أيام تأتي الذكرى السابعة والثلاثون لرحيل القائد المؤسس ميشيل عفلق في وقت تعيش فيه الأمة العربية مخاضاً عسيراً، يثبت يوماً بعد يوم عمق الرؤية الفكرية التي انطلق منها.
إن المحاولات المستمرة من قِبل "أمراء معاهد التشويش" للترويج لـ "موت الأيديولوجيا" أو ما يسمونه بضرورة "التجديد" الذي يفرغ الفكر من مضمونه، وغالباً ما تستهدف تفكيك المرتكزات الأساسية للهوية القومية.
إن استذكار الراحل الكبير الأستاذ ميشيل عفلق اليوم ليس مجرد طقس احتفالي، بل هو وقفة مراجعة للتمسك بالثوابت في مواجهة موجات التشكيك والتجريف الفكري التي تحاول صياغة وعي عربي مشوه ومعزول عن تاريخه وأهدافه المصيرية.
ففي زمن ضعفت فيه أوصال التواصل بين الأطر التنظيمية القديمة والجيل الجديد من الشباب، وتتصاعد فيه دعوات ظاهرها ايجابي وباطنها سلبي تدعو للتخلي عن فكر البعث ممثلا بالاسس العظيمة التي وضعها القائد المؤسس، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في أدواتنا السياسية برمتها، وتتضاعف الحاجة لتوضيح اسس عقيدة البعث بصفتها متطورة مع الزمن وتلبي ضرورات التقدم العلمي والتكنولوجي والاجتماعي.
فالتجربة تثبت أن الاسلوب القديم لا يتمخض الجديد تلقائيا بل لابد من جهد انساني معاصر جدي وواقعي، وإن استنساخ الأساليب البالية لن يعيد الحياة إلى مشروع استُنزفت طاقته التاريخية.
هنا، تصبح العودة إلى فكر المفكر القومي الكبير القائد المؤسس ميشيل عفلق واستلهامه بصورة محدثة ضرورة منهجية للمس روحه الثورية في مخاطبة عقل وروح شباب اليوم.
أولاً: المستقبل ليس وعداً، بل حالة وجودية هنا والآن
كان "الأستاذ" كما كان رفاقه من البعثيين القدامى يلقبونه ، يرى أن الخطأ الجوهري في الحركات التقليدية هو تأجيل الحلم إلى "زمن كمي" قادم، فيفقد بذلك حرارته وقدرته على الالتحام بالوجدان الشبابي.
لقد ميز القائد المؤسس بين الزمن الحسابي والزمن النفسي، مؤكداً أن "المستقبل ليس هو الوقت الذي سيأتي، بل هو المستوى النفسي والفكري الذي يجب أن نصل إليه في الوقت الحاضر".
بناءً على ذلك، فإن أولى خطوات بناء الأداة مع الشباب هي تحويل التنظيم نفسه إلى نموذج حي للحياة التي ينشدونها، لا إلى مجرد آلة لانتظار الغد.
ثانياً: تجسيد القيم، لا الوعظ بها
لم يكن" الأستاذ" يؤمن بفصل الدعوى عن الممارسة.
فالمشروع الطموح الذي يخاطب الجيل الجديد هو ذلك المشروع الذي يتحقق في سلوك أفراده وتفاصيل حياتهم اليومية.
قالها بجرأة: "لن نقول للعرب: 'ستمضون إلى حياة موحدة حرة اشتراكية في المستقبل'، بل نقول لهم: 'هذه هي صورتنا منذ هذه اللحظة'". فصورة البعثي المنقلب على سلبيات المجتمع والمجسد لصورة انسان الغد هو وحده الذي يقنع الشباب.
فالشباب لا ينجذب إلى البرامج النظرية المجردة، بل إلى النماذج الحية الصافية التي تجعل المُثُل العليا ملموسة.
إن الأخلاق في فكر القائد المؤسس ليست ترفاً، بل السلاح الأقوى في معركة الاستقطاب الفكري.
ثالثاً: البعث: أصالة تنفتح على الإنسانية
لكي يظل المشروع قادراً على مخاطبة جيل يعيش في عالَم معولم ومنفتح، لا بد أن يتجاوز عيوب القومية الضيقة.
لقد قدّم الاستاذ ميشيل عفلق مفهوم "البعث" كجسر بين الأصالة والكونية، معتبراً أن "بعث أمتنا هو بعث للإنسانية بأكملها".
بمعنى، يصبح الانخراط في المشروع القومي عملاً إنسانياً بامتياز، يلبي حاجة الشباب الفطرية للانتماء إلى رسالة عالمية تعيد للحياة طعمها ومعناها.
رابعاً: الهدف الإيجابي: قوة الحب لا الكراهية
لا يمكن بناء مستقبل على الغضب وحده. لقد حذّر" الأستاذ" من أن يكون الهمّ الوحيد هو التحرر من العدو، لأن الهدف السلبي لا يبني.
لقد قال: "الهدف السلبي هو التحرر من الأجنبي... لكن الهدف الإيجابي هو تحقيق التقدم والسلام والرسالة الإنسانية". لذلك، لا بد أن تكون أداتنا مع الشباب محكومة بـ"إرادة الحياة" والتأكيد على الحب والإبداع، وليس على ردود الفعل والانتقام.
إن إعادة بناء الجسور مع الشباب لا تمرّ عبر تعديلات شكلية في هيكل الحزب أو خطابه الدعائي، بل تتطلب "ولادة جديدة" على طريقة ميشيل عفلق: تحويل التنظيم إلى نموذج أخلاقي حيّ، يعيش المستقبل في حاضره، ويجمع بين جذوره الأصيلة وانفتاحه الإنساني، ويُحارب بالحب لا بالكراهية.
عندها فقط، سيتحول السؤال المحبط: "كيف نصل إلى الشباب؟" إلى يقين راسخ بأن الروحَ الحقيقية للنهضة لا تموت، بل تنتظر من يحملها بصدق لتبعث من جديد في قلوب الأجيال.
المراجع:
ميشيل عفلق، "البعث تعبير عن أفكار الجيل العربي الجديد" في سبيل البعث الجزء الرابع
ميشيل عفلق، "الجيل العربي الجديد" في سبيل البعث الجزء الأول
ميشيل عفلق، "المستقبل" في سبيل البعث الجزء الأول
ميشيل عفلق، "النضال الإيجابي سبيل الجيل الجديد إلى تحقيق الإنقلاب العربي" في سبيل البعث الجزء الأول
ميشيل عفلق، "روح الأمة وروح العصر" في سبيل البعث الجزء الثالث
ميشيل عفلق، " أصالة الأمة قوة نضالية متجددة" في سبيل البعث الجزء الثالث
ميشيل عفلق، "البعث تعبير عن أفكار الجيل العربي الجديد" في سبيل البعث الجزء الرابع




