بين المشاركة والانسحاب: أيُّ حوار نريد، وأيُّ معارضة نحتاج؟
ليس الهدفُ من هذه القراءة الترجيحَ المطلق لكفّة طرفٍ على آخر، ولا اختزال النقاش الوطني المصيري في سجالٍ بين سياسين. إنّ القضيّة، في عمقها، تمثّل اختبارًا واعيًا لمقاربتين سياسيتين حول مسألة المشاركة في الحوار، ومدى قدرة كلّ منهما على تفكيك الواقع الموريتاني والتعامل معه بفاعلية.
ينطلق بيرام الداه اعبيد من رؤية حذرة، تُحذّر من حوارٍ يفتقر إلى الضمانات فيتحول إلى غطاءٍ سياسي يُسبغ شرعية شكلية على الوضع القائم. وفي المقابل، يرى غورمو عبدول أن إخلاء الطاولة يُعدّ تنازلًا عن المساحة المتاحة للتغيير، وأن الأجدى هو النضال من داخل المسار لتصحيح اختلالاته وانتزاع ما يمكن من إصلاحات.
بين هذين الموقفين، لا تكمن المسألة في اختيارٍ تبسيطي بين «المشاركة» أو «الانسحاب»، بل في سؤالٍ أشمل: هل تتوفّر في هذا المسار الشروط التي تجعل المشاركة وسيلة للتأثير، أم أن الحضور غير المشروط سيُستثمر لإنتاج صورة توافقية عابرة؟
من هذا المنطلق، يتجسد الميزان في قوة الحجة وواقعيتها، بعيدًا عن مكانة أصحابها. رغم ما يحمله الخطبان المتقابلان من مواقف وإيحاءات مبطنة لا ينبغي ان تحجب جوهر النقاش او تفسد موضوعيته .
سأحاول في هذا التحليل تفكيك مقدمات كل موقف، واختبار نتائجه المحتملة، مع التركيز على «السلامة الإجرائية» بوصفها الضمانة الجوهرية لأي حوار جاد.
أولًا: حجة بيرام... حين تصبح المشاركة نفسها موضع سؤال
ينطلق بيرام من مقدمة واقعية: الحوار ليس قيمة مجردة في ذاته، بل بقيمته ومخرجاته. فإذا كانت البيئة السياسية تشهد تضييقًا على الأصوات المعارضة، وظلت القضايا الانتخابية والدستورية الكبرى عالقة، فإن المشاركة بلا شروط قد تمنح المشهد شرعية لا تعكس حقيقة التوازنات.
تكتسب هذه الحجة وزنها عندما تتعلق بالقواعد الحاكمة للتنافس السياسي:
نزاهة الانتخابات واستقلالية الهيئة المشرفة عليها.
حياد الإدارة الشامل والحد من التمويل السياسي غير الشفاف.
حرية المنافسة وعدالة تقسيم الدوائر الانتخابية.
إن هذه النقاط تمثل «قواعد اللعبة السياسية»، وإذا بقيت دون إصلاحٍ جذري، فإن مطالبة المعارضة بإسباغ التوافق على الحوار تسلب العملية معناها الحقيقي. كما يتجلى عمق هذا الطرح في رفض تحويل الحوار إلى أداة لتطبيع أزمات دستورية معقدة (كمسألة الولاية الرئاسية الثالثة).
ثغرة الطرح: رغم قوة التشخيص، يتطلب خيار الانسحاب الإجابة عن أسئلة الاستراتيجية البديلة: ماذا بعد الانسحاب؟ هل تملك المعارضة خطة ضغط مجتمعية وسياسية موحدة؟ وكيف تمنع السلطة من استغلال من بقي لتمثيل المشهد كاملاً؟ بدون هذه الإجابات، يتحول الانسحاب من أداة ضغط إلى خسارة للموقع التفاوضي.ثانيًا: حجة غورمو... الحضور داخل الساحة التفاوضية
في المقابل، يتأسس موقف غورمو على مبدأ سياسي آخر: عدم إخلاء الساحة. فالبقاء على طاولة الحوار يمثل المساحة المتاحة لمواجهة السلطة بالحجة، وتوثيق الموقف، ونقل قضايا الحريات والعدالة الاجتماعية إلى العلن أمام الرأي العام.
يرى غورمو أن السياسة ليست مجرد موقف أخلاقي خارجي، بل هي قدرة على الحضور والتفاوض. فالانسحاب المبكر قد يمنح الطرف الآخر هدية مجانية لتمرير مخرجاته بوصفها توافقًا عامًا. كما أن الملفات الجوهرية -كالإرث الإنساني، والتنوع الثقافي، والعدالة الاجتماعية - تتطلب تفاوضًا تفصيليًا لا شعارات عامة.
ثغرة الطرح: لا تمنح الطاولةُ القوةَ لمن يجلس إليها لمجرد الحضور؛ إذ تتولد القوة من وحدة الموقف، وحجم التمثيل، وامتلاك خطوط حمراء واضحة. ودون تحديد سقف زمني ومؤشرات دقيقة لعقم الحوار، قد يتحول البقاء إلى إقامة مفتوحة في مسارٍ لا يملك المشاركون أدوات لتوجيهه.
ثالثًا: أين تلتقي الحجتان؟
رغم التباين الظاهري، لا يختلف الطرفان في الغاية؛ فكلاهما يطالب بحوار جاد يطرح القضايا الكبرى بعيدًا عن المساحيق السياسية.
تتجسد المقاربة الأولى عند بيرام الداه اعبيد في أسلوب الاحتراز والاشتراط المسبق، حيث يراهن على الوقاية من إعفاء السلطة من كلفة الإصلاح الحقيقي ومنع منحها شرعية شكليّة. وفي المقابل، تقوم مقاربة غورمو عبدول على مبدأ الحضور والمواجهة المباشرة، مراهنًا على انتزاع المكاسب من داخل المسار التفاوضي ومنع التفرد بصناعة القرار.
وتتكامل هاتان المقاربتان متى ما انتقلنا من ثنائية القطيعة أو التسليم، إلى إيجاد صيغة عمل تبني موقفًا قائمًا على المشاركة المشروطة والمرحلية القابلة لإعادة التقييم.
رابعًا: السلامة الإجرائية ليست تفصيلًا ثانويًا
لا يمكن بناء حوار وطني دون توفير البيئة الإجرائية الكفيلة ببناء الثقة، والتي تتجلى في:
استقلالية منسق الحوار: اختيار شخصية مستقلة تتمتع بالكفاءة، ومقبولة من الفرقاء، وبعيدة عن الجهاز التنفيذي للحكومة.
الاستقلال المالي والإداري: ضمان عدم تأثير الجهة المنظمة على مجريات الحوار.
وضوح القواعد: تحديد آليات التمثيل، وجدول الأعمال، وشفافية المحاضر، وآليات اتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ.
قاعدة ديمقراطية: الحياد في الحوارات الوطنية ليس صفة يُعلنها الفاعل عن نفسه، بل ضمانة مؤسسية يلمسها جميع الفرقاء.
خامسًا: الحاجة إلى شاهد على الالتزامات
لتفادي تحول الحوار إلى وعود شفهية، تبرز الحاجة إلى آلية مستقلة للمتابعة والتحقق (شخصية أو هيئة وطنية مستقلة تحظى بالإجماع). لا تتعارض هذه الآلية مع السيادة الوطنية، بل تعمل كشاهد على تنفيذ الاتفاقات ومتابعة التزام كل طرف بما تم التوافق عليه.
سادسًا: التمثيل السياسي... تعدد مصادر الشرعية
لا يجوز اختزال المعارضة في فصيل واحد، كما لا يمكن اعتماد التمثيل البرلماني كمعيار حصري للشرعية؛ فهناك قوى مجتمعية وفكرية ذات وزن حقيقي خارج القبة التشريعية.
يتطلب النضج السياسي اعتماد معايير متكاملة للشرعية: الوزن الانتخابي، الحضور النيابي، والقدرة التنظيمية والجماهيرية. والواجب على المعارضة إغلاق الفجوات التي قد تستغلها السلطة لإحداث الانقسام داخل صفوفها.
سابعًا: التفاوض الشفاف مقابل الصفقات المغلقة
التفاوض في جوهره قائمٌ على الأخذ والعطاء («خذ وأعط»). لكن الخطورة تكمن عندما تقدم المعارضة شرعية سياسية كاملة مقابل تنازلات شكليّة أو جزئية.
يجب أن يخضع كل تفاوض لمعادلة واضحة: هل المقابل المكتسب يعادل الوزن السياسي الذي تمنحه المعارضة للمسار؟ وهل هذه التوافقات معلنة وقابلة للقياس والتنفيذ؟
ثامنًا: إستراتيجية عمل للمعارضة الموريتانية
لكي تتجاوز المعارضة دور رد الفعل، يحسن بها الاعتماد على الأركان الخمسة التالية:
الحد الأدنى المشترك: الاتفاق على ثوابت الحريات، واستقلالية المؤسسات، ورفض المساس بقواعد التداول السلمي للسلطة.
الاشتراط الإجرائي: حسم ملف المنسق، وضمانات الحياد، وقواعد اتخاذ القرار قبل دخول اللجان.
رفض الصكوك على بياض: اعتبار الجلوس على الطاولة مرحلة اختبار لا تزكية مسبقة للمخرجات.
مؤشرات قياس محددة: ربط الحوار بجداول زمنية وخطوات عملية ملموسة.
الانسحاب الجماعي المنظم: جعل الانسحاب خيارًا استراتيجيًا موحدًا عند التفاف السلطة على الضمانات، وليس رد فعل فردي.
خاتمة: المعارضة التي يحتاجها الوطن
تقتضي مصلحة الوطن حاليا الخروج من ثنائية «المشاركة المطلقة أو المقاطعة السلبية». إن البلد لا يحتاج معارضة ترفض كل شيء، كمالا تختاج معارضة تخفي موالاتها خلف صخبها، او تجعل من الرفض غايتها ومن الوصول الي السلطة هدفها الوحيد. بل يحتاج إلى مؤسسيةواعية؛ تعرف متى تفاوض بحكمة، ومتى ترفض بصلابة، وكيف تحول وزنها السياسي إلى أثرٍ ملموس في حياة المواطنين.
فالمعارضة الحقيقة ليست ان تكون ضد السلطة دائما ولا ان تكون معها سرا، وانما ان تكون مع المصلحة العامة دائما.
في نهاية المطاف، لا يقاس نجاح الحوار بانتصار طرف على آخر، بل بانتصار غايته الكبرى: بناء دولة العدل والمؤسسات، وإرساء منافسة سياسية نزيهة تطمئن المجتمع إلى مستقبله.
سيدي محمد التھام




