نبيل الزعبي
"لكل عصر شعوبيته، وشعوبية هذا العصر هي أولئك الأدباء والكتاب الذين يهاجمون العرب والعروبة"!
(شكيب أرسلان)
هل هي الـصدفةُّ التي تكمن هذه الايام وراء ذلك الحنين غير المسبوق للوحدة العربية بعد كل هذا الانكشاف المصيري الاخطر للامن القومي العربي ،
ام انه الوعي المتجدد لمعاني العروبة بعد عقودٍ طويلة من السنين تعرّضت فيها إلى مختلف أشكال الإنكار وكأنها دخيلةُّ على مجتمعنا وماضينا ولسنا بحاجةٍ لها ، لا في الحاضر او المستقبل كما تروّج مصالح العالم الجديد وأساطينه اصحاب السطوة والنفوذ الحالمين بإمبراطورية جديدة عابرة للدول والقوميات وعاملة على تشويه كل ما يمت إلى سيادة الشعوب على مقدراتها وأراضيها في سبيل نيوليبرالية حديثة لا تقل مساوئًَ عن الاستعمار القديم وانما تقدم نفسها بصورة اخطر وأدهى وان تلبّست بلبوس الحداثة والتكنولوجيا وثورتها المعرفية الهائلة .
اليوم وغداً والى ان تقف الامة على ناصية قوتها وتستعيد كرامتها ، لا مناص من الوحدة ، والوحدة هي الحل ولا بد من الوحدة مهما تفاقمت الخطوب ، ولئن كانت العرب تقول يوماً : لا بد من صنعاء ولو طال السفر ، فإن العروبة ستبقى هي الهدف والمرتجى مهما تفاقم الخطر ولا شئ غير وحدة العرب كشاطئ امان حقيقي قادر على مواجهة الأطماع الصهيونية والغربية الاستعمارية في وطننا العربي وما من جديد بعد تجربة غزة واستفراد فلسطين لابادة شعبها وتدمير جنوب لبنان وبقاعه وعاصمته، سوى التشرذم الذي يعيشه العرب وتفتيتهم في ظل غياب المشروع العربي الموحِّد وجعلهم رهن مصالح القوى الاقليمية والخارجية وذلك لا يمكن ان يدوم إلى الابد ما لم يبدأ الشعور العربي العام بالمهانة والتمرد عليها بحيث لن تقتصر الأمور على تغييب السيادة الوطنية للأقطار وانما ستطال غداً كل مناحي الحياة الحرة الكريمة والتعامل معنا كالغوييم دون مستوى المجرمين الصهاينة المغتصبين لارض فلسطين الذين يروا في غير اليهود سوى "الغوييم "اي "البهائم والكفرة الذين منحهم إلههم ( يهوه) الصورة البشرية لكي يستأنس اليهود بهم ويسهل عليهم تسخيرهم بهذا التشابه في الشكل، حيث انه ليس لهؤلاء اي حق في الاستقرار والعيش في أرض فلسطين التي يعتبرونها حقاً من حقوق الشعب المختار فحسب الذين تكفل الرب بطردهم وتشريدهم".
من يريد ان يجادل فيما تقدّم فليرجع إلى ادبيات الحركات الصهيونية الجديدة التي تنمو وتتكاثر وتتمدّد أصوليتها في مختلف أوصال المجتمع"الاسرائيلي" على حساب كل الاحزاب الأخرى التي ادّعت العلمنة وانضوت لعقود من السنين تحت يافطة اليسار والمعتدلين وبالتالي فإن الليكودي نتنياهو يجد نفسه اليوم على يمين المتطرفين الجدد ومكبّلاً امام مطالبهم بأحكام السيطرة على جنوب لبنان واستكمال الحرب على غزة وإلحاق الضفة الغربية بها مهلّلين لمقترح ترامب بتهجير شعبها إلى مصر والأردن في سابقة لم يكن ليحلم بها كل غلاة الفكر التلمودي ليأتي ترامب بنسخته الثانية ويقدّم لهم كل ذلك على طبقٍ من ذهب .
ماذا لو ادرك اليوم كل الحاقدين على العروبة وقبل فوات الاوان بغية التنصُّل منها ومن كل فكر وحدوي جامع ، ما ينتظرهم غداً من مصير كمصير ابو عبدلله الصغير آخر حكام ما تبقى من أندلس ٍعندما سلّم مفاتيح غرناطة فى 2 يناير من عام 1492 للملكين “إيزابيلاّ وفيرناندو”لتبدأ لاحقا عملية طرد وإبعاد العرب منها وتشتهر معها كلمة والدة ابي عبدالله عندما وجدته يبكي ملكه الضائع : ابكِ كالنساء على مُلكٍ لم تحافظ عليه كالرجال .
ما اشبه اليوم بالبارحة ، وكم نحتاج كشعوب وانظمة إلى تهديد وتحديات للتلاقي على الحدود الدنيا التي تمنع انهيارنا وتحوّلنا عبيداً في خدمة المشروع الاميركي - الصهيوني الجديد المقنع بالسلام الإبراهيمي المفروض على العرب ، ترغيباً وترهيباً ،
لذك وجب القول انه لم تعد تكفي كل المواقف الطوباوية التي تلجأ إلى استخدام مبرّرات التنظير للحالة الهابطة التي تعيشها امتنا اليوم من مهانة وازدراء ما عادت صالحة وبقاءها امة تستحق الحياة والعيش بكرامة ، واستضعافها بدأ يلامس وجودها المصيري ويدكُّ كل ما اعتبرته قِيَماً ومبادئ إنسانية حملتها رسالاتها الحضارية المتعاقبة إلى سائر الامم ومن العار ان تجد نفسها في القاع فلا تدرك ما ينتظرها من مخاطر ولا تملك ما ترد به الاخطار عنها حيث لن ينفع البكاء على الأطلال ان ادركت ذلك متأخرةً.




