الإلحاد الطائفي ... عندما يتحول نقد الدين إلى سياسة أنتقائية.

بواسطة yahya

 

ليس كل إلحاد نقدا للدين، كما أن كل نقد للدين ليس بالضرورة نقدا عقلانيا. هذه التفرقة ضرورية لفهم ما يسمى بالإلحاد الجديد، الذي قدم نفسه في بداياته بوصفه دفاعا عن العقل والعلم وحرية الفرد، لكنه تحول في بعض خطاباته إلى ظاهرة ثقافية وسياسية تتجاوز السؤال الفلسفي حول وجود الله إلى معركة واسعة مع الدين والمؤسسات الدينية والمجتمعات التي ما زالت تمنح الدين مكانة في حياتها العامة.

المشكلة ليست في الإلحاد نفسه. من حق الإنسان أن يؤمن أو لا يؤمن، ومن حقه أن يرفض فكرة الاله وأن يناقش النصوص والمعتقدات والمؤسسات الدينية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الإلحاد من موقف فلسفي إلى هوية صلبة، ثم إلى سلطة أخلاقية جديدة تتعامل مع المؤمن باعتباره انسانا متأخرا يحتاج إلى التحرير، بينما يتعامل صاحبها مع نفسه باعتباره ممثلا للعقل والعلم والتقدم.ويصبح من الضروري طرح سؤال مزعج: هل يحارب الإلحاد الجديد الدين بوصفه فكرة، أم أنه في بعض الحالات يعيد إنتاج السياسة نفسها التي يقول إنه يحاربها؟

الإسلام السياسي يقدم نموذجا واضحا لتحويل العقيدة إلى سلطة سياسية. لكنه ليس النموذج الوحيد. الكنيسة الأوروبية في مراحل تاريخية طويلة لم تكن مجرد مؤسسة روحية، بل كانت قوة سياسية واجتماعية امتلكت نفوذا على المعرفة والتعليم والقانون والحياة العامة. لذلك فإن نقد الإسلام السياسي دون وضع تاريخ الكنيسة والمؤسسات الدينية الغربية في السياق نفسه لا ينتج نقدا علميا، بل ينتج انتقائية تاريخية. الكنيسة ليست تاريخا من القمع فقط، كما أن الاسلام ليس تاريخا من التطرف فقط. كلاهما تجارب تاريخية واسعة تضم فترات مختلفة من السلطة والتسامح والصراع والإصلاح والمعرفة. المشكلة تبدأ عندما ينتقي الكاتب من تاريخ الاسلام أكثر صفحاته عنفا، ثم ينتقي من تاريخ المسيحية أكثر صفحاته اعتدالا، ويقدم النتيجة باعتبارها حقيقة موضوعية عن الدينين.هذا النوع من المقارنة لا علاقة له بالعقلانية. إنه سياسة في صورة فلسفة.

الإسلام السياسي يستحق نقدا قاسيا عندما يحول النص الديني إلى مصدر للسلطة السياسية، ويضع الجماعة المؤمنة فوق المواطنة، ويبرر تدخل رجال الدين أو التنظيمات الدينية في الدولة، أو يستخدم المقدس لإسكات الخصوم. لكن هذا النقد نفسه يجب أن يمتد إلى كل مشروع يريد احتكار الحقيقة وتحويلها إلى سلطة على المجتمع، سواء كان مصدرها الدين أو القومية أو الحزب أو الدولة أو حتى خطابا متطرفا باسم العلم والتنوير.

الدولة التي تستخدم الدين لإخضاع المواطنين ليست حرة، لكن الدولة التي تستخدم شعار التنوير لاحتقار المؤمنين ليست حرة أيضا.السلطة لا تحتاج دائما إلى رجل دين حتى تمارس السيطرة. يمكنها أن تستخدم الدين، ويمكنها أن تستخدم القومية، ويمكنها أن تستخدم الخوف من الارهاب، ويمكنها أيضا أن تستخدم خطاب الحداثة والتقدم. التاريخ السياسي يعلمنا أن السلطة قادرة على توظيف أكثر الأفكار تناقضا عندما تحتاج إلى شرعنة نفسها. لهذا فإن السؤال السياسي الحقيقي ليس: هل الدين جيد أم سيئ؟ السؤال هو من يملك حق تفسيره؟ ومن يحول التفسير إلى قانون؟ ومن يملك القوة لمعاقبة المختلف؟. هذه الأسئلة أهم من الصراع السطحي بين مؤمن وملحد.

الإسلام السياسي أخطأ عندما اعتقد أن الوصول إلى السلطة يمنحه الحق في إعادة تشكيل المجتمع وفق تصور ديني واحد. وبعض الخطابات الالحادية تخطئ عندما تتصور أن التخلص من الدين وحده كاف لبناء مجتمع عقلاني. التجربة التاريخية لا تؤيد ذلك. المجتمعات يمكن أن تتخلص من نفوذ مؤسسة دينية ثم تقع تحت سلطة حزب أو زعيم أو نظام شمولي.المشكلة ليست فقط في وجود المقدس. المشكلة في احتكار الحقيقة.وهذا يقود إلى المعايير المزدوجة في الخطاب الغربي.من حق المجتمعات الغربية أن تنتقد الاسلام، بل إن نقد النصوص والمذاهب والحركات الاسلامية جزء طبيعي من حرية التفكير. لكن من حقنا أيضا أن نسأل لماذا يتحول نقد الاسلام في بعض الخطابات إلى حديث عن ثقافة المسلمين وطبيعة الاسلام، بينما يجري التعامل مع المسيحية في كثير من الأحيان بوصفها تراثا ثقافيا قابلا للإصلاح والتأويل؟

لماذا يفسر التطرف الذي يرتكب باسم الاسلام من خلال النصوص الدينية، بينما يفسر التطرف الذي ارتكب باسم المسيحية في مراحل تاريخية طويلة باعتباره انحرافا عن الدين؟ السؤال لا يعني تبرئة الاسلام السياسي، وإنما يعني رفض الكيل بمكيالين. كما أن رفض المعايير المزدوجة لا يعني تبني نظرية المؤامرة. الغرب ليس كتلة واحدة، ولا يوجد عقل غربي واحد يتآمر على الاديان أو المسلمين. هناك مفكرون غربيون ينتقدون المسيحية واليهودية والاسلام بالدرجة نفسها، وهناك علمانيون يدافعون عن المسلمين عندما يتعرضون للتمييز، وهناك تيارات سياسية تستعمل الخوف من الاسلام لتحقيق مكاسب انتخابية. لذلك فإن النقد الجاد يجب أن يفرق بين هذه الاتجاهات بدلا من تحويل الغرب إلى شخصية واحدة.لكن هناك حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: الدين لم يعد مجرد مسألة لاهوتية في عالم السياسة. بعد الاستعمار والهجرة وصعود اليمين الأوروبي والهجمات الارهابية والحروب في الشرق الاوسط، أصبح الاسلام جزءا من صراعات الهوية في الغرب. ولهذا فإن بعض الكتابات عن الاسلام لا يمكن قراءتها خارج هذا السياق السياسي.

الكاتب الذي ينتقد الاسلام داخل مجتمع يخوض نقاشا حول الهجرة والاندماج والارهاب لا يكتب في فراغ. كتابته تدخل في سوق سياسي وإعلامي له مصالحه وحساسياته. وقد يكون نقده صحيحا في نقطة معينة، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى تعميم ثقافي على مئات الملايين من البشر.وينبغي أيضا نقد الخطاب الاسلامي الذي يستغل هذه الانتقائية. فبدلا من مواجهة الأسئلة المتعلقة بالمرأة والحرية والدولة والقانون والعنف الديني، يهرب بعض الاسلاميين إلى عبارة الغرب يكره الاسلام. هذه ليست إجابة. وجود خطاب غربي متحيز لا يجعل كل انتقاد للاسلام باطلا.وكذلك فإن وجود حركات اسلامية متطرفة لا يجعل كل مسلم مشروعا أمنيا.

العقلانية الحقيقية ترفض الخطابين معا.ترفض أن يقول الاسلامي: لا تنتقد ديني لأنه مقدس.وترفض أن يقول الالحادي المتعصب: لا تناقشني لأنني أمثل العقل والعلم.الفكرة التي تحتاج إلى حصانة من السؤال ليست قوية بما يكفي لتصبح أساسا لمجتمع حر.لكن العلم نفسه ليس دينا بديلا. العلم طريقة للبحث في العالم الطبيعي، وليس مؤسسة تمنح أصحابها حق تحديد معنى الحياة أو فرض تصور أخلاقي واحد على البشر. ويمكن للإنسان أن يكون عالما ومؤمنا، ويمكن أن يكون ملحدا وغير عقلاني في مواقفه السياسية، كما يمكن للمتدين أن يكون أكثر التزاما بالبحث والنقد من شخص يرفع شعار العلم.لهذا فإن تحويل العلم إلى هوية ثقافية متعالية يسيء إلى العلم نفسه. والشيء نفسه ينطبق على الكنيسة والاسلام السياسي وكل مؤسسة دينية. الدين عندما يدخل المجال السياسي يصبح عرضة للنقد والمساءلة مثل الحزب والنقابة والحكومة. لا توجد مؤسسة بشرية فوق النقد لمجرد أنها تستخدم لغة المقدس.

لكن الدولة الحديثة لا تحتاج إلى محاربة المؤمنين حتى تكون علمانية. العلمانية في معناها السياسي الأساسي ليست مشروعا لاقتلاع الدين من المجتمع، وإنما إطارا يمنع مؤسسة دينية واحدة من امتلاك الدولة ويفصل بين المواطنة والانتماء العقائدي.هذه النقطة غائبة عن كثير من النقاشات العربية. فهناك من يساوي بين العلمانية والالحاد، وهناك من يساوي بين الدين والدولة، وكلاهما يختصر مسألة سياسية معقدة في ثنائية عقائدية.نحتاج إلى دولة يستطيع فيها المسلم أن يكون مسلما دون أن يصبح الدين قانونا على الجميع، ويستطيع المسيحي أن يمارس دينه دون أن تتحول الكنيسة إلى سلطة سياسية، ويستطيع الملحد أن يرفض الدين دون أن يتحول رفضه إلى مشروع لاحتقار المتدينين.هذه ليست تسوية بين الحق والباطل، وإنما شرط أساسي للعيش المشترك. لا يكفي أن نسأل: هل يوجد الله؟ السؤال الفلسفي مهم، لكنه ليس السؤال السياسي الوحيد. هناك أسئلة أكثر إلحاحا: من يملك السلطة؟ من يحدد الحقيقة؟ من يضع القانون؟ من يحمي المختلف؟ ومن يمنع الدولة أو المؤسسة الدينية أو الحزب أو الجماعة الفكرية من تحويل قناعاتها إلى وسيلة لإخضاع الآخرين؟

إذا كان نقد الدين ضروريا، فإن نقد الالحاد عندما يتحول إلى تعصب ضروري أيضا.وإذا كان نقد الاسلام السياسي واجبا، فإن نقد التاريخ السياسي للكنيسة واجب.وإذا كان كشف المعايير المزدوجة في الخطاب الغربي ضروريا، فإن نقد ازدواجية الخطاب الاسلامي ضروري أيضا.المشكلة ليست أن يكون الإنسان مؤمنا أو ملحدا. المشكلة أن يتحول اعتقاده إلى سلطة تمنحه حق تصنيف الآخرين، ثم يمنحه شعورا بأنه يمتلك الحقيقة كاملة. عند هذه النقطة لا يعود السؤال عن الله وحده. يصبح السؤال عن السلطة.ومن يملك السلطة يستطيع أن يحول الدين إلى أداة حكم، والحزب إلى عقيدة، والقومية إلى مقدس، وحتى الالحاد إلى هوية مغلقة.و تتساوى المشكلة: حين يصبح الاعتقاد، أيا كان مصدره، أقوى من الإنسان.

#زكريا_نمر