من أزمة التمثيل إلى أزمة المواطنة: في فلسفة إعادة إنتاج النخبة وإصلاح المجال العام

بواسطة yahya

 

مفارقة البدايات: عن العلة الجذرية :

ربما كان أكثر ما يشد العصب بالوطن، ويستبقي الإنسان في مهب اختلالاته الصارخة، هو تلك الحيرة الشفيفة أمام تحديد بؤرة الداء؛ أيبدأ التآكل من هشاشة المؤسسات وتداعي الاقتصاد؟ أم من سوء الإدارة وتخشب النخب؟ أم إن هذه الظواهر مجرد أعراض سطحية لمرض بنيوي أشد عمقاً؟

تغري الملاحظة المستفيضة بتبني فرضية أكثر إيلاماً: إن الأزمة لا تكمن حصراً في الأفراد الواصلين إلى سدة القرار، بل في الفضاء الاجتماعي والسياسي المتكلس الذي يملك قدرة عجيبة على إعادة إنتاج ذات النمط من النخب مراراً وتكراراً. هنا ينزاح السؤال من الإدانة الأخلاقية المباشرة (من أخطأ؟) إلى المساءلة الفلسفية البنيوية: ما السحر الأسود او الأبيض، الذي يمنح منظومة بأكملها القدرة على تكرار السلوك ذاته، حتى وإن تبدلت الوجوه والأسماء؟

تآكل التمثيل: السقوط من الإرادة إلى الوساطة 

في الفلسفة السياسية الحديثة، ليس الممثل النيابي مجرد عابرٍ صعد بتأثير صندوق الاقتراع، بل هو تجسيد للإرادة العامة، ووسيط مؤسسي يصون حياض المجتمع ويراقب السلطة التنفيذية. غير أن المسار يحيد مجرد أن يتحول البرلمان إلى معبر نحو الامتياز الخاص.

إن ارتياد النواب لمكاتب الوزراء ليس في ذاته انحرافاً إذا اندرج في متابعة الشأن العام، لكن العطب يبدأ حين تنقلب الوظيفة؛ فيتحول السعي من المساءلة عن مرفق متعثر أو صفقة مشبوهة إلى الجري خلف التسهيلات وتأمين نفوذ المصالح الضيقة. يحدث حينها انقلاب هادئ وشديد الخطورة: بدل أن يحمل النائب صوت المجتمع إلى السلطة، يستحيل المجتمع سُلّماً يرتقي به النائب لابتزاز السلطة واقتسام الغنائم. ومع هذا التضارب البنيوي، يفقد التفتيش النيابي معناه العميق، إذ كيف يمارس الرقابة من ارتبط وجوده ونفوذه بالجهاز الخاضع للرقابة؟

مفارقة الرقابة: عندما تُشل الواجهات 

تتجلى المفارقة في السؤال الفلسفي: كيف يستقيم أن يراقب الفاعلُ مَن يحفظ له مصالحه؟ إن النصوص الدستورية التي تمنح البرلمان صلاحيات التفتيش تبقى هياكل عظمية بلا روح ما لم تسندها استقلالية فعلية، وشفافية صارمة، وثقافة سياسية تعتبر المال العام حَرَمًا مقدساً لا ساحة للمساومة. وبدون هذه الحصانة، تتحول المؤسسات الرقابية إلى ديكورات دستورية سليمة المظهر، بينما يُفرَغ جوهرها عبر شبكات النفوذ والزبائنية.

المواطنة المستلبة: منطق السوق الانتخابية 

لكن إتخام النخبة السياسية باللائمات وحده يُعد تبسيطاً مخلاً؛ فالديمقراطية لا تعمل في الفراغ بل تستمد طاقاتها من المجتمع. والمسألة الأكثر إيلاماً هي: ماذا يحدث عندما تتلاشى الرابطة التعاقدية السياسية حول البرامج لتستبدل بتبادل منافع ضيقة؟

عندما يطلب الناخب كسباً شخصياً عاجلاً، ويطلب المرشح صوتاً مشترياً، تهوي الانتخابات من كفل اختيار يدير الشأن العام إلى سوق سياسية موسمية. وهنا يتجلى النزيف: حين يُسقَط عن الصوت الانتخابي بُعده القيمي ليغدو سلعة، يتجرد الناخب من صفة "المواطن" ليتحول إلى "رقم تجاري" خاضع للتفاوض. فتكتمل الحلقة المغلقة: سياسي يشتري الولاء، وناخب يبيع حقه، وحزب يتاجر بالترشيح، وسلطة تستثمر في الولاءات.

الأحزاب والإدارة: احتضار الفكرة وتغليب النفوذ

 الحزب السياسي في أصله مدرسة فكرية ومشتل للكوادر ومصنع للبدائل. لكنه حين يتحول إلى مجرد منصة للترشيح تُباع فيها المواقع لمن يملك المال أو النفوذ، تُغتال السياسة في مهدها، وتتحول من إدارة الشأن العام بالرؤى إلى إدارة المصالح بالمال.

وتكتمل الكارثة حين تفقد الإدارة حيادها المؤسسي لتصبح أداة للترغيب والترهيب أو لإعادة تدوير العصبيات القبلية والاجتماعية والتعبئة لصالح السلطة. إن خطورة توظيف القانون بشكل انتقائي لا تكمن في الخرق الفردي فحسب، بل في تدمير مفهوم "الدولة" ذاته؛ فالعدالة ليست مجرد نص قانوني موجود، بل هي شعور وجداني راسخ بنفاذ القانون على الجميع بالتساوي.

من "السكان" إلى "المواطنة": أفق التجاوز

المواطن ليس مجرد تعريف قانوني حركي، بل هو كائن تتأسس كينونته على الحقوق والواجبات، وعلى اليقين بأن المال العام حق مشترك. أما من يعتمد في عيشه على الوساطة وفي حقوقه على الولاء، فهو يهبط قسراً من مرتبة "المواطن" إلى مرتبة "الرعية" أو "السكان"، حتى وإن حمل بطاقة اقتراع.

إن كسر هذه الحلقة المغلقة يستلزم تجاوز المواعظ الأخلاقية ورغبات التغيير الفردي نحو إعادة هيكلة قواعد اللعبة السياسية برمتها عبر هندسة مؤسسية متكاملة يتداخل فيها التشريع بالثقافة. وتبدأ أولى خطوات هذا التحرر من التشديد الصارم لقواعد تضارب المصالح عبر فرض التصريح العلني بالأصول، ومنع استغلال المنصب السياسي في الصفقات والامتيازات العامة بوساطة هيئات مستقلة للمساءلة. كما يقتضي الأمر حماية الاستقلالية الفعلية للبرلمان لجعل الممارسة الرقابية معياراً أصيلاً لا ينصاع لموازين السلطة أو حسابات القرب من الوزارات.

ولا ينفصل هذا الإصلاح عن تطهير التمويل الانتخابي بتسقيف الإنفاق وتجريم شراء الأصوات، بالتوازي مع تفعيل الديمقراطية الحزبية الداخلية التي تحول الأحزاب إلى مؤسسات تخرج الكفاءات وتعتمد البرامج القابلة للقياس؛ إذ إن الحزب الذي يفتقد الديمقراطية في داخله عاجز عن تصديرها للمجتمع. ويتطلب الشق التنفيذي تأمين حياد الإدارة لحماية الوظيفة العمومية من التسييس وتجريدها من أدوار صناعة الولاءات القبلية أو الفئوية.

أما على صعيد الوعي العام، فالرهان الحقيقي يكمن في الانتقال من ثقافة "الناخب المكتفي بالخدمات" إلى ثقافة "المواطن الشريك" عبر التعليم والإعلام، وتجريد المسؤول والنائب من صفة "منح المكارم". ويتوج هذا المسار بإنشاء آليات رقابة مجتمعية تمأسس أدوات لقياس أداء المنتخبين بناءً على المبادرات التشريعية والالتزام بالوعود، وصولاً إلى تقديم منطق "المؤسسة" على "الشخص" من خلال بناء نظم تجعل النزاهة هي الخيار الأكثر نفعاً والفساد هو الخيار الأعلى كلفة.

إن الخروج من هذه الأزمة البنيوية لا يتأتى بإدانة المجتمع ولا بتبرئة النخب، بل بفك الارتباط بين المال والسياسة، وبين الوظيفة العامة والزبائنية. فحين يُصان الصوت من البيع، وتُصبح الإدارة حكماً حيادياً، والأحزاب مصانع للأفكار، نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو الانتقال من ديمقراطية الولاءات والأفراد إلى دولة المواطنة والمؤسسات.

 

سيدي محمد التهامي