حين يرتدي الفساد ثوب التقوى.
يقال إن سرقة المال العام في بعض البلدان لم تعد جريمة بالمعنى التقليدي، بل أصبحت وظيفةً تحتاج إلى مكتب وختم وبعض العلاقات! يأخذون الوطن قرضًا طويل الأمد، ثم يتركون الفاتورة على طاولة الفقراء. فإذا صاح الجائع من الغلاء، قيل له: اخفض صوتك، فأنت تزعج النظام!
وفي موريتانيا، لا يحتاج المواطن إلى خبير في الاقتصاد كي يفهم معنى الفساد. يكفي أن يدخل مستشفى فلا يجد دواءً، أو إدارة فيضيع يومه بين المكاتب، أو يبحث عن خدمة عمومية فتطارده الإجراءات أكثر مما تطارده الخدمة، أو يرى الأسعار ترتفع بينما دخله واقف في مكانه.
فالفساد ليس رقمًا في تقرير(محكمةالحسابات أو المفتشية العامة للدولة............)؛ إنه الفرق بين ما كان ينبغي أن يحصل عليه المواطن وما يحصل عليه فعلًا.
والأطرف أن بعض الفاسدين يملكون قدرة عجيبة على تغيير الأقنعة دون تغيير العادات. إذا تغيرت المواقع تغيرت الوجوه، وإذا سقط مسؤول ظهر آخر، أما بعض الأساليب فتظل ثابتة، كأن الفساد موظف أصيل لا يخضع للتحويل ولا للتقاعد!
لكن المفارقة الأكبر أنك قد تدخل المسجد لأداء فريضة، فتجد في الصفوف الأولى بعض من يبيعون الدواء المغشوش، أو يغشون في الغذاء، أو يتاجرون بالمخدرات وحبوب الهلوسة، أو يجمعون التبرعات باسم المجتمع المدني ثم تختفي في الطريق، أو يبيعون الفتاوى كما تباع السلع.
فتقول في نفسك: الحمد لله، على الأقل المسجد يجمعنا جميعًا!
ولا مشكلة في أن يصلي الفاسد؛ فباب التوبة مفتوح، والصلاة لا تُمنع عن أحد. المشكلة حين يتحول التدين أو الوجاهة الاجتماعية إلى ستار يحتمي خلفه الفساد.
قد تجد من يتحدث عن الحلال والحرام، ثم يصبح شديد التسامح مع الحرام عندما يكون الربح من نصيبه!
وقد تجد من يكثر الحديث عن الصدقة، ثم تكون يده أسرع من الجميع نحو صندوق التبرعات!
وكأن بعضهم يتعامل مع الدين بنظام «النسخة التجريبية»: يطبق منه ما يناسبه، ويؤجل الباقي إلى إشعار آخر!
لكن علينا أن نكون منصفين: لا يجوز اتهام كل من يوجد في الصف الأول، ولا كل رجل أعمال أو موظف أو ناشط مدني. فالمجتمع الموريتاني مليء بالشرفاء والنزهاء الذين يخدمون الناس بصمت. كما أن مكافحة الفساد ليست بالتشهير، وإنما بالقانون والرقابة والمساءلة.
المشكلة أن من يزوّر الدواء لا يسرق ثمن علبة فحسب، بل يعبث بحياة مريض. ومن يغش الغذاء يضع صحة الناس في سوق المساومة. ومن يسرق التبرعات لا يسرق مالًا فقط، بل يسرق ثقة المتبرع وحق الفقير.
أما من يسرق المال العام، فهو لا يسرق الخزينة وحدها؛ إنه يسرق مدرسة من طفل، ودواء من مريض، وطريقًا من قرية، وفرصة من شاب.
لذلك نحتاج إلى دولة يكون فيها القانون أقوى من العلاقات، والرقابة أقوى من النفوذ، والوظيفة العامة تكليفًا لا غنيمة، والمال العام أمانة لا فرصة للثراء.
فالصف الأول في الصلاة لا يعفي من الصف الأول أمام القانون.
والوطن لا يحتاج إلى مزيد من الأقنعة؛ يحتاج إلى وجوه صادقة، ومؤسسات قوية، وقانون لا يسأل الفاسد: من تعرف؟ بل يسأله ببساطة: ماذا فعلت
عبدالله محمدالحيمر




