كيف أصبحت النخب العربية أكبر عائق امام بناء الدولة؟

بواسطة yahya

 

ليست أخطر أزمات العالم العربي أنه يعيش التخلف، بل أنه لا يزال مختلفا حول تعريفه. فمنذ أكثر من مئة عام، لم تتوقف النخب عن إنتاج الإجابات، لكنها نادرا ما اتفقت على السؤال. ولهذا السبب ظلت مشاريع الإصلاح تولد ميتة، لأن الطبيب الذي يخطئ في تشخيص المرض لن ينجح في وصف العلاج، مهما بلغت ثقافته، ومهما كانت نواياه.المشهد العربي يبدو، للوهلة الأولى، مزدحما بالأفكار. قوميون، وإسلاميون، وليبراليون، ويساريون، وعلمانيون، ولكل منهم تفسير متماسك في ظاهره لأسباب الانهيار. لكن المفارقة أن هذه الوفرة في التفسيرات لم تنتج وفرة في الحلول، بل أنتجت مزيدا من الانقسام، وكأن كل تيار كان يبحث عن الانتصار لفكرته أكثر من بحثه عن إنقاذ وطنه الخطأ الأول الذي وقعت فيه النخب أنها تعاملت مع التاريخ بوصفه محكمة، لا بوصفه مختبرا. انشغلت بإدانة الماضي أكثر من فهمه، وبمحاكمة الأفكار أكثر من اختبار نتائجها. لذلك تحولت الثقافة السياسية العربية إلى سلسلة طويلة من الخصومات الفكرية، بينما بقيت الدولة نفسها تتآكل بصمت.في كل مرحلة كانت النخب تعثر على متهم جديد. مرة كان الدين هو المسؤول عن كل شيء، ومرة كان الاستعمار، ثم الإمبريالية، ثم الاستبداد، ثم المؤامرة الخارجية، ثم التراث، ثم الحداثة. كانت الأسماء تتغير، لكن المنهج ظل واحدا البحث عن سبب واحد لأزمة صنعتها قرون من التراكمات. وكأن التاريخ كتاب بسيط يمكن اختصاره في عنوان واحد.لكن الدول لا تنهار بسبب فكرة واحدة، كما أنها لا تنهض بفكرة واحدة. الحضارات لا تبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات. وما يسقط الأمم ليس اختلافها الفكري، بل عجزها عن بناء قواعد عادلة لإدارة هذا الاختلاف.

لقد استهلك العالم العربي طاقة هائلة في معارك الهوية، حتى أصبح السؤال عن شكل الدولة أهم من السؤال عن كفاءة الدولة. دار النقاش حول ما إذا كانت الدولة دينية أو علمانية أو قومية، بينما ظل المواطن يصطدم بالإدارة نفسها، والقضاء نفسه، والفساد نفسه، والتعليم نفسه، والفقر نفسه. تغيرت اللافتات، لكن البناء بقي متصدعا.وليس من قبيل المصادفة أن أكثر الكلمات حضورا في الخطاب العربي هي النهضة، والهوية، والأصالة، والمؤامرة، بينما تغيب كلمات مثل الإنتاج، والكفاءة، والابتكار، والإدارة، والبحث العلمي. فالمجتمع الذي يستهلك المفاهيم أكثر مما ينتج المعرفة، ينتهي به الأمر إلى تحويل الثقافة إلى ساحة صراع، لا إلى أداة لفهم الواقع.هناك أيضا مفارقة يصعب تجاهلها. فبعض النخب مارست شكا فلسفيا جارفا تجاه تراثها، لكنها لم تمارس الدرجة نفسها من النقد تجاه كثير من النظريات المستوردة. وكأن العقل يصبح ناقدا عندما ينظر إلى الداخل، ومقلدا عندما ينظر إلى الخارج. والحقيقة أن الفكر لا يصبح حرا إلا عندما يراجع الجميع بالمنهج نفسه، لأن الأفكار لا تكتسب قيمتها من جغرافيتها، وإنما من قدرتها على تفسير الواقع.وأكثر ما يثير الأسف أن الجامعة العربية، التي كان يفترض أن تكون مصنعا للأفكار، تحولت في كثير من الأحيان إلى مصنع للشهادات، وأن المثقف، الذي كان يفترض أن يكون ضمير المجتمع، أصبح أسير الاستقطاب السياسي أو الأيديولوجي. وهكذا تراجع إنتاج المعرفة، وحل محله استهلاك المعرفة، وتراجع الاجتهاد، وحل محله النقل، وتراجع النقد، وحل محله الاصطفاف.ولم تكن السلطة بعيدة عن هذه الأزمة. فقد وجدت في الانقسام الفكري فرصة مثالية لإدامة بقائها. فكلما اشتد الجدل بين النخب، تراجع السؤال عن الفساد، وعن استقلال القضاء، وعن كفاءة الإدارة، وعن سوء توزيع الثروة. وهكذا تحول الاختلاف الفكري إلى ستار يحجب الأزمة الحقيقية؛ أزمة الدولة التي عجزت عن أن تكون دولة لجميع مواطنيها.لكن تحميل السلطة وحدها المسؤولية ليس سوى وجه آخر من ثقافة التبرير. فالمجتمع الذي يقدس الزعيم أكثر من القانون، ويقدم الانتماء القبلي أو الطائفي على المواطنة، ويمنح الولاء قيمة أعلى من الكفاءة، يشارك، بقصد أو بغير قصد، في إعادة إنتاج الأزمة. فالاستبداد لا يعيش بقوة الحاكم وحده، بل أيضا بضعف الثقافة التي تبرره.

إن السؤال الذي تهربت منه النخب طويلا ليس كيف ننتصر في معركة الأفكار؟ بل: كيف نبني دولة تستطيع أن تستمر مهما تغيرت الأفكار؟ فالدول القوية لا تقوم على الإجماع العقائدي، وإنما على مؤسسات تحترم القانون، وتعاقب الفاسد، وتحمي الحقوق، وتتيح تداول السلطة، وتستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر.ولا يبدأ الإصلاح من إعادة كتابة الدساتير فقط، ولا من تغيير الشعارات، بل من إعادة بناء المدرسة، لأن المدرسة هي المكان الذي تتشكل فيه صورة المواطن قبل أن تتشكل صورة السياسي. ويبدأ أيضا بإحياء الجامعة باعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة، لا مجرد ممر للحصول على وظيفة. ويبدأ بإقامة قضاء مستقل، وإدارة حديثة، واقتصاد يكافئ العمل والإبداع، لا القرب من السلطة.أما النخبة، فإن أول واجباتها أن تتخلى عن وهم امتلاك الحقيقة النهائية. فالمثقف الذي يتحول إلى داعية لأيديولوجيا، يفقد أهم ما يميزه؛ القدرة على مراجعة نفسه. والمجتمع الذي يحول الأفكار إلى عقائد مغلقة، يحكم على نفسه بأن يكرر أخطاءه جيلا بعد جيل.

إن أزمة العالم العربي ليست في كثرة الأفكار، بل في قلة التفكير. وليست في غياب الشعارات، بل في غياب المؤسسات التي تحول المبادئ إلى واقع. وما لم تنتقل النخب من الدفاع عن المرجعيات إلى بناء الدولة، ومن تبرير الإخفاق إلى مساءلة الذات، فسيظل التاريخ يعيد الدرس نفسه، وستظل الأجيال الجديدة ترث الأزمات نفسها بأسماء مختلفة.لقد آن الأوان لأن نعترف بأن النهضة ليست معركة بين الدين والعلمانية، ولا بين الشرق والغرب، ولا بين القديم والجديد. إنها معركة بين مجتمع ينتج المعرفة ومجتمع يستهلكها، بين دولة يحكمها القانون ودولة تحكمها الولاءات، وبين نخبة تبحث عن الحقيقة ونخبة تبحث عن الانتصار. وما دام هذا الفرق غائبا، فستبقى كل مشاريع الإصلاح مجرد خطب بليغة تلقى فوق أنقاض واقع لا يتغير.

#زكريا_نمر