من أخطر ما يواجه الفكر حين يقترب من القضايا العامة أنه يستسلم لإغراء التبسيط. والتبسيط، وإن بدا جذاباً في ظاهره، ليس سوى صورة أخرى من صور التضليل؛ لأنه يختزل الواقع المركب في سبب واحد، ثم يبني عليه أحكاماً مطلقة.
ومن هذا الباب يأتي الزعم بأن كل رسوب، أو تسرب، أو تعثر لتلميذ هو دليل قاطع على فشل وزارة التربية، وأن نجاحها يقاس فقط بنسبة الناجحين في الامتحانات. وهي مقولة تبدو للوهلة الأولى إنسانية، لكنها عند التأمل تفتقر إلى أبسط قواعد المنطق وفلسفة التربية.
فالإنسان لا تصنعه مؤسسة واحدة، بل تصنعه منظومة كاملة. والمدرسة، مهما بلغت كفاءتها، ليست سوى حلقة في سلسلة تبدأ بالأسرة، وتمر بالمجتمع، وتتأثر بالإعلام، وبالثقافة السائدة، وبالشارع، وبالرفقة، وبالفضاء الرقمي الذي أصبح اليوم المربي الأكثر حضوراً في حياة الناشئة.
إن التلميذ لا يقضي في المدرسة إلا جزءاً يسيراً من يومه؛ أما بقية ساعاته فتتوزع بين مؤثرات قد تبني ما تبنيه المدرسة، وقد تهدمه في لحظات. فكيف يُعقل بعد ذلك أن نحاسب الوزارة وحدها على نتائج معركة لم تخضها وحدها؟
إن الأسرة ليست مكتباً لإطعام الأبناء وتسديد رسومهم الدراسية، كما يحاول بعضهم أن يصورها، وإنما هي المؤسسة التربوية الأولى، ومنها يتعلم الطفل معنى الانضباط، واحترام الوقت، وقيمة العمل، وفضيلة الصدق، وحب المعرفة. فإذا ضعفت الأسرة، فلن تستطيع المدرسة أن تسد كل الفراغ، مهما بلغت جودة مناهجها وكفاءة معلميها.
لقد أدرك الفيلسوف الفرنسي إميل دوركايم هذه الحقيقة حين عدّ التربية عملية اجتماعية قبل أن تكون عملية مدرسية؛ فالمجتمع كله يربي، لا المدرسة وحدها. وأكد جون ديوي أن المدرسة ليست بديلاً عن المجتمع، بل امتداد له. أما نحن، فيريد بعض الكُتّاب أن يجعلوا الوزارة مسؤولة عن كل شيء، وأن يعفوا بقية الشركاء من كل مسؤولية، وكأن التربية شأن إداري محض، لا قضية حضارية.
ثم إن مكافحة الغش في الامتحانات ليست سبباً في تراجع التعليم، وإنما هي أول خطوة نحو إصلاحه. فالنجاح الذي يقوم على الغش ليس نجاحاً، بل تزوير للأرقام، وخداع للمجتمع، وظلم للمجتهدين. ومن الطبيعي أن تنخفض نسب النجاح عندما يُغلق باب الغش، لأن الامتحان عندئذ يصبح مرآة صادقة للمستوى الحقيقي، لا ستاراً يخفي ضعفه.
إن الذين يربطون نجاح الوزارة بارتفاع نسب النجاح، بغض النظر عن نزاهة الامتحان، يشبهون من يقيس صحة المريض بحرارة ميزان معطل؛ فالمشكلة ليست في الميزان، بل في المرض الذي كان يخفيه.
والأعجب من ذلك أن بعضهم يهاجم مسابقات الانتقاء باعتبارها دليلاً على فشل الدولة، متناسياً أن فلسفة التقييم ليست اختراعاً محلياً، وإنما هي ركن أصيل في جميع الأنظمة التعليمية الجادة. نعم، قد تختلف آليات التقويم، وقد تحتاج إلى تطوير مستمر، لكن إلغاء معايير الاستحقاق بحجة المساواة لا يصنع عدلاً، بل يصنع ظلماً جديداً، لأن المساواة بين المختلفين في الأداء ليست عدلاً، وإنما هي مصادرة لحق المجتهد.
إن الإنصاف لا يكون بإلغاء التميز، كما أن الرحمة لا تكون بإلغاء المسؤولية. فالمجتمع الذي لا يكافئ الجهد، ولا يميز بين من اجتهد ومن قصر، إنما يهدم قيمة العمل من حيث يظن أنه يحقق العدالة.
ولا يعني هذا إعفاء الوزارة من مسؤولياتها؛ فهي مطالبة بتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وتحسين البيئة المدرسية، وتوسيع فرص التعليم، لكن تحميلها وحدها نتائج كل إخفاق فردي هو منطق يفتقد إلى الإنصاف، لأن المسؤولية، كالتربية نفسها، مسؤولية مشتركة.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتوزيع الاتهامات، وإنما يبدأ بتوزيع المسؤوليات. فحين تؤدي الأسرة دورها، ويستعيد المجتمع رسالته، ويؤدي الإعلام وظيفته التنويرية، وتقوم المدرسة بواجبها العلمي، عندها فقط يصبح الحديث عن نجاح الوزارة أو فشلها حديثاً موضوعياً، لا شعاراً سياسياً ولا مادة للمزايدة.
إن التعليم مشروع أمة، لا مشروع وزير. ومن يحاول أن يختزل أمة بأكملها في وزارة واحدة، أو يحمل وزيراً وحده أوزار مجتمع بأسره، لا يقرأ الواقع كما هو، بل كما يشتهي أن يكون.
حمادي سيدي محمد آباتي




