الاعتقاد بان القبيلة منصة صالحة للعمل السياسي ليس مجرد خطا في التقدير، بل خيانة لفكرة الدولة نفسها. فهذا التصور لا ينتج سياسة، بل يعيد انتاج البدائية في ثوب حديث، ويمنح الفشل شرعية اجتماعية، ويحول الانقسام الى قيمة، والعنف الى اداة حكم. عندمآ تدخل القبيلة المجال السياسي، تخرج السياسة من معناها العام. تتحول من ادارة للشان المشترك الى صراع على الغنائم، ومن مشروع وطني الى مفاوضات ولاءات. عند هذه النقطة لا يعود السؤال ماذا نريد ان نبني، بل من يسيطر ومن يقصى.
السياسة القبلية لا تحتاج الى برنامج ولا الى رؤية. يكفيها ان تستحضر الخوف، وتغذي الشعور بالتهديد، وتعيد تدوير الذاكرة الجريحة. فحيث يغيب العقل السياسي، تحضر العصبية، وحيث تفشل النخب، تستدعى القبيلة كاداة نجاة. في هذا النموذج لا يرى المواطن كفرد حر، بل كعنصر داخل كتلة مغلقة. قيمته السياسية تحددها درجة ولائه لا قدرته على التفكير او النقد او المشاركة. وهنا لا تقتل المواطنة فقط، بل يقتل المعنى الاخلاقي للسياسة نفسها.
الاحزاب التي تتاسس على القبيلة لا يمكن ان تكون وطنية، مهما تزينت بخطاب الدولة. فهي تنظيمات مبنية على الخوف لا على الامل، وعلى الاستقطاب لا على المشروع. وجودها مرهون باستمرار الانقسام، لان انتهاء الانقسام يعني سقوطها تلقائيا الاسؤء من ذلك ان النخب التي تحكم باسم القبيلة تمنح نفسها حصانة غير معلنة. كل فشل يفسر على انه استهداف جماعي، وكل نقد يصنف كعداء للهوية، وكل مطالبة بالمحاسبة تعامل كخيانة. بهذه الالية تغلق السياسة، ويجرم السؤال، وتشل اي محاولة اصلاح. عندمآ تصبح القبيلة اساس التمثيل السياسي، تتحول الانتخابات الى عملية احصاء، لا منافسة افكار. وتصبح المناصب حصصا، لا تكليفا. وتدار الدولة بمنطق التوازن الهش لا بمنطق القانون. هذا المنطق قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يمنع السقوط.
والمفارقة ان القبيلة نفسها هي الضحية. باسمها ترتكب الاخطاء، وباسمها تدار الصراعات، وباسمها يستهلك الشباب في حروب لا تخصهم. بينما من يستخدمونها كمنصة سياسية ينجون دائما من المحاسبة. الدولة الحديثة لا تعادي القبيلة، لكنها ترفض ان تكون رهينة لها. المطلوب ليس محو الهويات، بل نزع سلطتها السياسية. اعادة القبيلة الى مكانها الطبيعي كاطار اجتماعي وثقافي، لا كاداة حكم. وربط الشرعية بالانجاز، لا بالانتماء، وبالمساءلة، لا بالحماية الجماعية.اي سياسة لا تتحرر من القبيلة، لن تنتج دولة، بل ستعيد انتاج الفشل والعنف باسماء مختلفة، وتترك المجتمع يدور في حلقة مغلقة من الخوف والانقسام.
#زكريا_نمر




