من فلسطين إلى الفاو: لماذا ميشيل عفلق في البندقية خلاص الأمة الوحيد؟

بواسطة yahya


بقلم: الدكتورة زينة الرافعي 
في زمن تزدحم فيه أروقة الدبلوماسية الدولية وصالات المفكرين والسياسين العرب بملفات التسوية ودعوات التهدئة، وتتعدد فيه الأطروحات حول ما يُسمى "النضال الإيجابي" ذلك المفهوم المرن، السلس، الذي يرفع شعارات المقاومة السلمية، برز لي تساؤل فكري حاد وهو، لو المفكر الراحل القائد المؤسس ميشيل عفلق، على قيد الحياة اليوم، كيف كان سينظر إلى هذه التوجهات؟ 
وما هو الرابط الجدلي في فكره بين بندقية المقاوم الشعبي في فلسطين وزحف المقاتل العربي في معركة تحرير الفاو؟
الجواب لا يحتاج إلى تخمين، إرث "الأستاذ" العقائدي يقدم حكماً جازماً لا ريب فيه: "الأوطان المحتلة لا تُسترد بالاستجداء الدبلوماسي، وكل نضال لا يضع الجماهير في مواجهة مادية مباشرة مع المحتل هو استسلام مقنّع وإطالة لعمر الاستعمار".

لقد انطلق ميشيل عفلق في خطابه الفكري من مفهوم "الانقلاب الحتمي" بوصفه ثورة جذرية شاملة تقلب واقع الأمة وتجدد روحها. 
لذا، تبدو الدعوات إلى "النضال الإيجابي السلمي" في نظره مجرد محاولات "ترقيعية" تداوي أعراض المرض ولا تستأصل الجذور، معتبراً أن الرهان على المؤسسات الرسمية أو الدبلوماسية الدولية أساسس خاطئ. 
فالحكومات تخضع لحسابات مصلحية وتوازنات دولية تجعل مواقفها مساومة بطبيعتها.
لو صاغ القائد المؤسس ميشيل عفلق رده اليوم، لقلب هندسة المصطلحات السائدة.
لكان اعتبر النضال الإيجابي الدبلوماسي الهادئ فعلاً "سلبياً" لأنه ينتظر عطف الخارج وتنازلات العدو، بينما الكفاح الشعبي المسلح هو "الإيجابية الحقيقية" الوحيدة، لأنه الفعل المادي والواقعي الذي يفرض كلفة باهظة على الاحتلال ويجبره على الرحيل.
فالقوة لا تُجابه إلا بالقوة، ومخاطبة الاحتلال بلغة المنطق أو الأخلاق هي مغالطة كبرى، لأن الاستعمار بطبيعته ينكر وجود الآخر ولا يفهم سوى لغة توازن الرعب وسياسة الإلغاء.
لم تكن البندقية في فكر "الأستاذ" مجرد أداة عسكرية لإلحاق الخسائر المادية بالعدو، بل كانت أداة "تربوية وأخلاقية" لصهر معدن الأمة، وتطهير النفس العربية من رواسب الاتكالية والانحطاط واليأس. والتضحيات الكبرى هي التي تصنع "الإنسان العربي الجديد" المؤهل لحمل أعباء الحرية وحمايتها.
هذا المنظور التربوي والتأسيسي لم يقف عند حدود التنظير، بل وجد تبلوره العملي الأبرز في كتابات وخطب عفلق خلال ثمانينيات القرن الماضي من بغداد. 
حين خاض العراق حرب الثمانية أعوام، وتوّجها بمعركة تحرير شبه جزيرة الفاو في نيسان 1988، لم يرَ ميشيل عفلق في هذا التحرير مجرد خطة عسكرية جافة نفذها جيش نظامي، بل نظر إليه كتجسيد حيّ لفكرة "حرب الشعب" والالتحام الجماهيري، معتبراً الجيش طليعة مقاتلة تنبثق من وجدان الأمة وعقيدتها.
إن تحطيم عقدة الهزيمة في خطابات "الأستاذ" التي واكبت معارك عام 1988، أحدث فيها ربطاً عضوياً وثيقاً بين تحرير الفاو وقضية فلسطين. 
لقد رأى في استعادة مدينة الفاو، كأول أرض عربية تُحرر بالقوة الكاملة في ذلك التاريخ المعاصر،  تحطيماً حقيقياً لـ "عقدة الهزيمة التاريخية" التي كرستها نكسة 1967 في وجدان الإنسان العربي.
بالنسبة لميشيل عفلق، فإن النصر في الفاو قدّم النموذج والمصداقية المادية الملموسة لأفكاره: 
"إن الإرادة القتالية الشاملة قادرة على قلب موازين القوى وإجبار المعتدي على الانكفاء، وإن "طريق فلسطين" يمر حتماً عبر استعادة الثقة بالذات العربية وقدرتها على القتال والمبادرة وصنع التاريخ بيدها".
وتأتي زبدة المقال بأن المعادلة عند القائد المؤسس تظل ثابتة وممتدة عبر الزمن:
"تحرير الأوطان هو فعل شعبي تصاعدي ينبع من قاعدة المجتمع بندقيتها في يدها، لا من قمم السلطة والحلول الوسطى.
المصادر:
ميشيل عفلق، 
"في سبيل البعث" (الجزء الأول):  "فلسطين لا تحررها الحكومات بل الكفاح الشعبي المسلح" (1948)،
"في سبيل البعث" (الجزء الأول): "مفهومنا للانقلاب" و"الترقيعية والارتجال"، والتشديد على رفض الإصلاحات السياسية السطحية.
"كتابات فكرية وسياسية" (مرحلة الثمانينيات - إصدارات أمانة الثقافة والإعلام): ويتضمن خطب عفلق وتوجيهاته القومية ببغداد حول البعد العقائدي للقادسية الثانية، (الحرب العراقية- الإيرانية)، ومفهوم صهر شخصية المقاتل العربي الجديد.
ميشيل عفلق 
في سبيل البعث الجزء الخامس "العراق قدر بطولي" في الذكرى الـ40 لتأسيس الحزب (نيسان/أبريل 1987) 
ميشيل عفلق 
في سبيل البعث الجزء الخامس في الذكرى الـ41 لتأسيس الحزب نيسان/أبريل1988) 
وهو الخطاب التاريخي التوجيهي الذي ألقاه متزامناً مع معارك تحرير الفاو، وفيه ربط بوضوح وبصورة مباشرة بين استعادة الفاو كنموذج تطبيقي وبين حتمية تحرير فلسطين والتحرر من الهزيمة النفسية.