خطاب "أممية المقاومات": اختطاف القرار القومي واستباحة الجغرافيا
❍ عثمان الحاج عمر
عضو القيادة القومية، أمين سر قطر تونس
بمناسبة الحرب الدائرة بين التحالف الصهيو–أمريكي من جهة، وإيران- الملالي من جهة أخرى، تكاثرت البيانات وتزاحمت المقالات وتعدّدت الأطروحات، وكلٌّ صاغ موقفه وفق مرجعيته ورؤيته، وذلك حقّ مشروع لا جدال فيه. غير أنّ ما يستوقف في بعض هذه النصوص ليس مجرّد اختلاف في التقدير، بل المنهج الذي تُبنى عليه، إذ تحاول – بوعي أو بدونه – إعادة تشكيل وعي القارئ على نحو يُقصي العرب من معادلة الصراع، ويحوّلهم من فاعل تاريخي إلى مجرّد ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. ومن هنا تأتي هذه القراءة، لا لمصادرة رأي، بل لمناقشة هذا المنحى وكشف ما ينطوي عليه من اختزال وانحراف في فهم طبيعة الصراع وموقع الأمة العربية فيه.
النص موضوع النقاش يستبدل القومية العربية بما يمكن تسميته “أممية مقاومات”، ويحوّل العرب من قضية مركزية إلى ساحة مفتوحة.
ينطلق هذا الخطاب من فرضية تبدو في ظاهرها جذّابة: إدانة “العدوان الأمريكي الصهيوني” على إيران، وتصنيف كل من لا ينخرط في هذا الاصطفاف ضمن خانة التبرير أو التواطؤ. غير أنّ هذه البداية، رغم شحنتها الأخلاقية، لا تؤسس لتحليل بقدر ما تفرض اصطفافًا مسبقًا، وتغلق منذ اللحظة الأولى إمكانيّة التفكير خارج ثنائية قسرية تختزل الواقع في خيارين لا ثالث لهما.
وهكذا يعد صاحب المقال، في إطار هذا المدخل، يُعيد تعريف الصراع في المنطقة على نحو يُقصي العرب كذات تاريخية، ويحوّلهم إلى متفرجين في صراع بين قوى كبرى. فلا تعود الأمة العربية مركز التحليل، بل تُختزل إلى ساحة تتقاطع فوقها الإمبريالية من جهة، وقوى إقليمية غير عربية من جهة أخرى. وهنا يكمن الانحراف الأول: القفز فوق حقيقة أنّ إيران، مهما كان موقعها في مواجهة الولايات المتحدة، ليست خارج معادلة الصراع داخل الوطن العربي، بل هي طرف فاعل فيه بمشروعها وأدواتها وامتداداتها.
ويتقدّم هذا الطرح خطوة أخرى حين ينفي وجود تعارض حقيقي بين مواجهة العدوان ومساءلة السياسات الإقليمية، ويصوّر الرافضين لهذا الاصطفاف وكأنهم يتخلّون عن المبادئ!!! غير أنّ هذا التصور يقوم على تبسيط مخلّ، إذ يفترض صاحب المقالة، أنّ كل تناقض مع الإمبريالية يكتسب تلقائيًا صفة التقدّمية، متجاهلًا أنّ الصراع في المنطقة مركّب، تتداخل فيه مشاريع الهيمنة العالمية مع مشاريع نفوذ إقليمية قد تتقاطع مرحليًا مع العداء لأمريكا، لكنها لا تنفصل عن سعيها للتمدد داخل المجال العربي وعلى حسابه.
هنا تحديدًا يقع الخلط بين العدو والخصم. فالعدو الإمبريالي حقيقة لا جدال فيها، لكن ذلك لا يحوّل كل خصومه إلى حلفاء موضوعيين للأمة العربية. إيران، في هذا السياق، ليست مجرد طرف خارجي في مواجهة مع الغرب، بل فاعل إقليمي له مشروعه الذي يشتغل داخل البنية العربية نفسها.
وحين يُطرح مفهوم “إعادة ترتيب التناقضات”، يبلغ هذا الانزلاق ذروته. إذ يُطلب من القوى “الثورية” أن تؤجّل تناقضها مع النظام الإيراني، وأن تعيد تعريف الصراع باعتباره بين محور خارجي وآخر إمبريالي. غير أنّ هذا الطرح ليس ترتيبًا للأولويات، بل إلغاء لتناقضات قائمة داخل المجال القومي العربي، وإحلال لتناقضات مستوردة لا تنبع من مصالح الأمة. فالأمة التي تؤجّل وعيها بذاتها، تفقد هذا الوعي تدريجيًا.
ويظهر الانزلاق الأخطر حين يتبنّى الخطاب – ولو ضمنيًا – سردية طائفية كان يدّعي رفضها. فعندما يُعاد توصيف المنطقة بلغة “محور شيعي” مستهدف و”محور سنّي” سيستهدف لاحقًا، فإننا لا نكون أمام تفكيك لهذا الخطاب، بل أمام إعادة إنتاج له. فبدل تفكيك الطائفية بوصفها أداة تفتيت، يتمّ التطبيع معها كواقع تحليلي.
وهنا تتجلّى المفارقة: خطاب يهاجم الطائفية، يقع في فخّها التحليلي، ويتقاطع موضوعيًا مع سرديات تقسيم المنطقة إلى محاور مذهبية. وبهذا يتحوّل الصراع من صراع قومي عربي ضد مشاريع الهيمنة، إلى صراع هويات فرعية تتنازع فوق الجغرافيا العربية.
كما أنّ هذا التبني الضمني للسردية الطائفية يفضي إلى تبييض مسألة بالغة الخطورة: إعادة تعريف بعض التشكيلات المسلحة في المنطقة بوصفها “فصائل مقاومة”، رغم أنّ واقعها التاريخي والسياسي أكثر تعقيدًا من هذا التوصيف الأحادي. فهنا يتم نقل المفهوم من دلالته التحررية المرتبطة بالفعل الوطني ضد الاحتلال، إلى مفهوم مرن يُستعمل لتبرير أدوار إقليمية تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
وفي هذا السياق، يتم تجاهل مفارقات تاريخية كبرى، حيث إنّ بعض هذه التشكيلات التي يُعاد تقديمها اليوم كجزء من “المقاومة” (العراق بالخصوص)، كانت في مراحل سابقة جزءًا من صراعات مسلّحة داخل المنطقة، بل إنّ بعضها انخرط خلال حرب الثماني سنوات في اصطفافات قتالية ضد دوله الوطنية ضمن صفوف الجيش الإيراني، وفي ٱطار سياقات إقليمية معروفة، قبل أن يعاد إدماجه لاحقًا في مشهد سياسي جديد بعد سنة 2003، في ظروف إعادة تشكيل الدولة العراقية تحت الاحتلال الأمريكي، وهو الذي دخل على الدبابة الامريكية دليلا ومرشد لقوات الإحتلال... العامري والمالكي والفياض والمهندس... مقاومة يا صاحبي ؟؟؟
بهذا المعنى، لا تعود “المقاومة” توصيفًا دقيقًا لبنية موحدة، بل تتحول إلى مظلة خطابية تُستخدم لتجميع أطراف متناقضة تاريخيًا، ضمن سردية واحدة تُخفي أكثر مما تُظهر.
وعند تناول القواعد الأجنبية في المنطقة، يبدو الخطاب أكثر تماسكًا في إدانة الهيمنة الأمريكية، لكنه يسقط في الانتقائية ذاتها حين يتجاهل سؤال السيادة في بعدها الأشمل: لماذا تُختزل السيادة عند طرف، وتُهمَل عند أطراف إقليمية أخرى تمارس التأثير ذاته بصيغ مختلفة؟
وفي مقاربته للقضية الفلسطينية، تتحول فلسطين من قضية مركزية للأمة إلى عنصر ضمن توازنات إقليمية، بينما تبقى في جوهرها معيارًا لاختبار صدقية أي مشروع سياسي عربي.
وتنتهي هذه المقاربة إلى معادلة تبسيطية: إما الاصطفاف مع إيران، أو مع الإمبريالية. وهي معادلة تلغي الخيار الثالث الوحيد الممكن: موقف عربي مستقل ينبع من المصالح القومية للأمة، لا من التموقع داخل صراعات الآخرين.
كما يتجاهل هذا الخطاب سؤال المآلات. فهو يضخّم خطر انتصار المعسكر الأمريكي–الصهيوني، لكنه لا يطرح بجدية سؤالًا موازياً: ماذا لو ترسّخ نفوذ إيران أكثر في المنطقة؟ هل ستتراجع داخل حدودها أم ستتوسع أدواتها ونفوذها داخل المجال العربي؟
فالسياسة لا تُبنى على خيار واحد مرعب مقابل صمت عن خيارات أخرى، بل على رؤية شاملة توازن بين كل السيناريوهات. وإلا تحوّل التحليل إلى توجيه للوعي بدل فهم الواقع.
في النهاية، لا تكمن خطورة هذا الخطاب في ما يقوله صراحة، بل في ما يرسّخه ضمنيًا: إذ يرفع شعار “المقاومة”، لكنه يفكك بعدها القومي، ويستبدل الأمة بمحاور، ويحوّل السياسة من مشروع تحرر عربي إلى إدارة صراعات الآخرين فوق الجغرافيا العربية.
وباختصار، إنه خطاب لا يدفع نحو استعادة الوعي القومي، بل يساهم – دون أن يدرك – في إعادة إنتاج حالة الذوبان:
يُقصي الأمة من مركز الصراع،
يستبدلها بالمحاور،
ويحوّلها من فاعل تاريخي… إلى ساحة مستباحة




