لماذا لم تقمع الحركة الوطنية الديمقراطية كما قمع قيرھا ؟

بواسطة yahya

Image removed.

سؤالٌ يتجدّد كلما فُتح ملف الثمانينيات في موريتانيا: لماذا تعرّض الناصريون والبعثيون، ثم لاحقًا القوميون الأفارقة، إلى قمعٍ شديد، بينما لم تُصَب الحركة الوطنية الديمقراطية (الكادحون) بنفس الدرجة؟.
الجواب، في تقديري، لا يكمن في “استثناءٍ غامض”، بل في اختيارات سياسية دقيقة طبعت مسار هذه الحركة في تلك المرحلة التي برزت فيها منذ أواخر السبعينيات
بوصفها مجموعة رافضة للاندماج في حزب الشعب وبالتالي معارضة لخط الاندماجيبن، حيث انها وصفتهم بـ”التصفويين”.
أي الجماعة التي شكلت فيما بعد عصب التحالف من اجل موريتانيا ديمقراطية AMD والتي قارعت النظام.العسكري..
.مع عودة نشاطها في الوسط الطلابي والتلمذي، تزامنًا مع إصلاح التعليم وتعميم الوزير سبك مام دياك C002. اختارت الحركة الوطنية الديمقراطية أن تشتغل في العمق الاجتماعي، لا في واجهة الصدام.
لم تعتبر النظام القائم التناقض الرئيسي، بل رأت أن الصراع الحقيقي يتجاوز الداخل إلى بنى الهيمنة الأوسع، وهو ما انعكس في تكتيك واضح: تجنّب المواجهة المباشرة مع السلطة.
هذا الخيار تعزّز مع تبنّي الحركة لوثيقة مرجعية حول إصلاح التعليم تضمن ضمن مقترحات اخرى انشاء معهد لللغات الوطنية .
وقد صاغها كان صيدو، وجرى إعدادها – وفق ما يُروى – بإشراف ا قائد الدرك الوطني آنذاك العقيد معاوية ولد الطايع، وقد شكّل ذلك منعطفًا مهمًا، ليس فقط في مضمون الإصلاح، بل في موقع الحركة كوسيط فكري وسياسي بين التيارات المتجاذبة.
وفي لحظة كانت البلاد فيها مهددة بالانزلاق نحو استقطاب عرقي حاد، تبنّت الحركة موقفًا صريحًا:
رفض الإضراب والحراك على أساس عرقي.
الدعوة إلى وحدة الصف الوطني.
وتغليب البعد الاجتماعي على الهوياتي.
وهو موقف، موضوعيًا، كان يصب في مصلحة الاستقرار، ويجعلها، في نظر السلطة، أقل تهديدًا من تيارات تعبّئ على خطوط انقسام حادة.
كما أن الحركة لم تكن خارج دوائر التأثير كليًا، فقد سُجّل حضورها، ولو بشكل محدود، في حكومة سيد أحمد ولد ابنيجاره، من خلال الرفيق دافا بكاري.
ولم يكن ذلك اندماجًا في النظام بقدر ما كان محاولة توظيف الهامش المتاح لتمرير إصلاحات، خاصة في مجال التعليم، وحقوق العمال والفلاحين.
سياسيًا، حافظت الحركة على هذا الخط حتى محطة الانتخابات البلدية التعددية سنة 1986، حيث عبّرت عن موقف يعكس تمردا ضد النظام العسكري ، دون الانخراط في منطق المواجهة الشاملة.
في المقابل كانت السلطة تنظر بعين مختلفة إلى غيرها:
البعثيون والناصريون ارتبطوا بثقافة الانقلاب، و بعدة محاولات انقلابية وبعض التيارات الزنجية وُضعت في سياق أمني متوتر،
ثم جاءت محاولة انقلاب 1987 لتؤكد، في نظر النظام، أن الخطر الحقيقي يأتي من داخل المؤسسة العسكرية أو من محيطها.
وهنا يكمن الفارق الحاسم:
الحركة الوطنية الديمقراطية لم تُعرف بسعيها لاختراق الجيش، ولم تجعل من الاستيلاء على السلطة أولوية آنية،بل راهنت على التراكم داخل المجتمع.
لذلك، لم تُصنَّف كخطر عاجل يستوجب القمع، بل كتيار يمكن احتواؤه أو التعايش معه… مرحليًا على الأقل.
لكن هذا التوازن لم يكن أبديًا، فقد جاءت أحداث 1989 لتكشف حدوده، وتدفع الحركة إلى إعادة تموضعها، قبل أن تظهر لاحقًا في صلب المعارضة مع بداية المسار الديمقراطي.
و حاصله ان الأنظمة لا تقمع الحركات السياسية بنفس الدرجة… بل تُرتّب خصومها وفق مستوى الخطر.
وما يُحدّد هذا الخطر، ليس فقط ما يُقال… بل ما يمكن أن يُفعل.
وكل ذلك جرى في سياقٍ سابقٍ لمرحلةٍ أخرى ستُعاد فيها صياغة خريطة “الخطر” ذاتها… مع بروز ما سُمّي لاحقًا بملف الإسلاميين.
ومع ذلك، تبقى هذه القراءة في حدود شهادةٍ جزئية، بحكم أن معرفتي بالحركة الوطنية الديمقراطية لم تتواصل من الداخل بعد سنة 1983، وهي ملاحظة لا تنتقص من الوقائع، بقدر ما تُذكّر بحدود الشاهد.

المصدر: الفيسبوك – صفحة الكاتب.

عبدالقادر ولدمحمد