أخشى أننا لا نعاني أزمة مثقفين بقدر ما نعاني أزمة أشخاص أتقنوا الحديث عن الوعي، لكنهم لم يتحرروا من أبسط أشكال التعصب. أشخاص يكتبون عن الحرية، لكنهم يضيقون بالرأي المخالف، وينتقدون الفساد ما دام بعيدا عن جماعتهم، ويتحدثون عن بناء الدولة، ثم يعودون إلى حسابات القبيلة والحزب عندما تُختبر مواقفهم. وهنا يصبح السؤال المحرج: هل صنعت المعرفة عقولاً مستقلة، أم أننا منحنا التعصب شهادات عليا ولغة أكثر أناقة؟.من هو المثقف إذن؟، هل هو الذي قرأ كثيرا، أم الذي يستطيع أن يفهم ما يقرأه ويختبره في الواقع؟ وهل يصبح الإنسان مثقفا بمجرد أن ينشر كتابا أو يجلس على منصة ثقافية؟ أعتقد أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقافة إلى لقب اجتماعي، ويصبح الاهتمام بصورة المثقف أكبر من الاهتمام بما ينتجه من أفكار.
في تقديري، المثقف ليس شخصا يعرف أكثر من الآخرين بالضرورة، وإنما إنسان لا يتوقف عند ما يعرفه، ولا يمنح أفكاره قداسة لمجرد أنه يؤمن بها. يستطيع أن يختلف مع أسرته وقبيلته وحزبه، وأن يعترف بخطئه دون أن يشعر بأنه خسر معركة. أما الذي يقرأ ليجد مبررات لما يؤمن به مسبقا، فهو لا يستخدم المعرفة لتوسيع أفقه، بل لتقوية قناعاته القديمة.خذ مثلا شخصا يتحدث عن الديمقراطية وحرية التعبير، لكنه يغضب عندما ينتقد أحدهم الحزب الذي يؤيده. أو كاتبا يهاجم الفساد، ثم يصمت عندما يتعلق الأمر بمسؤول من قبيلته. أو مثقفا يطالب المجتمع بالتخلص من التعصب، لكنه لا يستطيع مناقشة قضية واحدة بعيدا عن انتمائه السياسي أو الاجتماعي. هل نحتاج هنا إلى مزيد من الكتب، أم إلى مراجعة علاقتنا بما نقرأ ونكتب؟
المشكلة أن بعض الناس يريدون المثقف في صفهم قبل أن يريدوه صاحب رأي. يعجبهم عندما ينتقد خصومهم، ويصفونه بالموضوعية عندما يتفق معهم، ثم يتهمونه بالانحياز عندما يوجه النقد إليهم. وفي هذه الحالة، لا يعود النقاش حول صحة الفكرة، بل حول هوية الشخص الذي قالها. وهذه واحدة من العقبات التي تجعل الحوار العام يدور في حلقة مغلقة.في جنوب السودان، تبدو هذه المسألة واضحة عندما نناقش السياسة والقبيلة وبناء الدولة. ما زلنا بحاجة إلى مساحة يستطيع فيها الكاتب أن ينتقد أداء مسؤول دون أن يجد نفسه مطالبا بالدفاع عن قبيلته، أو أن يناقش إخفاق حزب دون أن يتهمه أحد بخدمة الحزب المنافس. إذا كنا نريد دولة تقوم على المواطنة، فعلينا أن نقبل أولا أن المسؤول ليس ملكا لقبيلته، وأن نقده لا يمثل إهانة لأبناء مجتمعه.لكنني لا أعتقد أن المسؤولية تقع على المجتمع وحده. فبعض المثقفين ساهموا في إضعاف صورتهم عندما اقتربوا من السياسيين أكثر مما اقتربوا من الأسئلة الحقيقية للناس، أو عندما تحول خطابهم إلى دفاع مستمر عن مواقف لا يريدون مراجعتها. وبعضهم يتعامل مع الاختلاف وكأنه دليل على جهل الآخرين، مع أن المثقف الذي لا يستطيع تقديم حجته بوضوح، أو الاعتراف باحتمال خطئه، يحتاج هو نفسه إلى مراجعة طريقته في التفكير.
ولا أرى أن المثقف مطالب بأن يكون معارضا طوال الوقت حتى يثبت استقلاله. معارضة السلطة ليست شهادة في الثقافة، كما أن تأييدها لا يعني بالضرورة غياب الوعي. المسألة تتعلق بقدرة الإنسان على الاحتفاظ بمعاييره عندما تتغير مصالحه، وعلى نقد الموقف نفسه سواء صدر عن شخص يحبه أو شخص يختلف معه.ما يهمني في المثقف ليس عدد الكتب التي قرأها، ولا عدد المتابعين الذين يصفقون له، بل ما إذا كانت المعرفة قد غيرت طريقته في النظر إلى الأشياء. هل أصبح أكثر قدرة على فهم تعقيدات المجتمع؟ هل يستطيع التمييز بين رأيه والحقيقة؟ هل يراجع أحكامه عندما تتغير الأدلة؟ أم أنه يستخدم ما تعلمه ليبدو أكثر معرفة، بينما تظل مواقفه أسيرة التعصب نفسه؟.وربما علينا أن نسأل أنفسنا أيضا: لماذا نريد للمثقف أن يكون محبوبا طوال الوقت؟ ليس من الضروري أن يتفق الناس معه، وليس من واجبه أن يمنحهم الإجابات التي ينتظرونها. لكن من حقهم أن يطالبوه بالدليل، وأن يناقشوا أفكاره، وأن يكشفوا تناقضاته. فالمثقف الذي يطالب بحرية نقد المجتمع، ثم يرفض أن يخضع هو للنقد، لا يدافع عن الاستقلال الفكري بقدر ما يطلب امتيازا لنفسه.
بالنسبة لي، قيمة المثقف تبدأ عندما يتوقف عن اعتبار المعرفة وسيلة للحصول على مكانة اجتماعية، ويتعامل معها باعتبارها مسؤولية. مسؤولية تجاه الحقيقة، وتجاه المجتمع، وتجاه نفسه أيضا. فليس المطلوب أن يدعي امتلاك الحقيقة، وإنما أن يمتلك الشجاعة الكافية للبحث عنها، حتى عندما تقوده إلى نتائج لا تعجبه.ويبقى السؤال: هل نريد مثقفا يقول ما نحب سماعه، أم نريد إنسانا يساعدنا على اكتشاف ما لا نريد الاعتراف به؟ والأهم من ذلك، هل نحن مستعدون لقبول النقد عندما يقترب من أفكارنا ومصالحنا، أم أننا نحب حرية التفكير فقط عندما يستخدمها الآخرون للدفاع عنا؟.
#زكريا_نمر




