إذا كان إخفاق الوزير الأول في عدد من الملفات يُعزى إلى عجز بعض الوزراء وضعف أدائهم، فإن السؤال الذي لا يجوز القفز عليه هو: من اختار هؤلاء الوزراء، ومن مكّنهم من إدارة شؤون الدولة، ومن يتحمل مسؤولية النتائج التي أفضت إليها اختياراتهم؟
هنا تبدأ مسؤولية ولد اجاي، وهنا أيضًا تتضح العلاقة بين مسؤوليته الشخصية ومسؤولية النظام الذي يقوده محمد ولد الشيخ الغزواني. فلا يستقيم أن نحمّل الوزراء وحدهم تبعات الإخفاق، ثم نعفي من اختارهم ونسّق عملهم وأدار الفريق الحكومي من المساءلة. كما لا يستقيم أن نفصل الوزير الأول عن نظامه، وكأنه يعمل في جزيرة معزولة، لا تحكمها خيارات سياسية ولا تحيط بها شبكات مصالح وولاءات.
صحيح أن الوزير الأول لا يملك وحده مفاتيح الدولة، وأن صلاحياته تتحرك داخل منظومة سياسية لها موازينها ومراكز تأثيرها؛ لكن هذه الحقيقة لا تبرئه، بل تفرض علينا أن نحدد المسؤوليات بدقة: ما الذي يعود إلى خيارات ولد اجاي، وما الذي تفرضه عليه بنية النظام، وما الذي يتحمل رأس السلطة مسؤوليته؟
إن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في وجود وزراء أخفقوا، بل في المعايير التي أوصلتهم إلى مواقعهم. فإذا كانت الكفاءة معيارًا للتعيين، وجب أن تظهر في النتائج؛ وإذا كانت النزاهة شرطًا لتولي المسؤولية، وجب أن تنعكس في حماية المال العام ومكافحة تضارب المصالح؛ وإذا كانت الوظيفة العامة أمانة، فلا يجوز أن تتحول إلى مكافأة للولاء أو وسيلة لبناء قواعد نفوذ شخصية.
ومن هنا، فإن أي حديث عن حنكة ولد اجاي الإدارية أو جديته السياسية يظل ناقصًا ما لم يُختبر على ضوء اختياراته وحصيلة فريقه. فالقائد لا يُقاس بصفاته التي يعددها أنصاره، وإنما بقدرته على اختيار الأكفاء، واستبعاد العاجزين، ومحاسبة المقصرين. ولا تكفي نظافة اليد، إن ثبتت، لتبرير سوء الاختيار؛ كما لا تكفي الكفاءة الفردية لتغطية إخفاق جماعي.
والأخطر من ذلك أن تتحول البيئة السياسية والإدارية إلى شماعة تُعلّق عليها الإخفاقات، بينما يظل المسؤولون الذين يديرونها بمنأى عن المحاسبة. فإذا كانت البيئة موبوءة بالفساد، فهل يُعفى المسؤول لأنه يعمل داخلها، أم يُسأل عما فعله لتطهيرها؟ وإذا كانت دوائر النفوذ تعرقل الإصلاح، فهل تكون الحكمة في التكيف معها أم في مقاومتها؟ إن القيادة تُختبر حين تتعارض الأمانة مع المصلحة، لا حين تتفقان.
وهنا تتسع دائرة المسؤولية لتشمل النظام نفسه. فالرئيس الذي يختار رئيسًا للحكومة، ويمنحه الثقة، ويُبقيه في موقعه أو يجددها له، لا يمكن أن ينفصل سياسيًا عن حصيلة حكومته. كما أن تجديد الثقة في الوزير الأول لا يمحو إخفاقات المرحلة السابقة، ولا يحوّل الاستمرار في المنصب إلى شهادة نجاح؛ بل يرفع سقف التوقعات ويضاعف مسؤولية الجميع عن النتائج المقبلة.
أما ما يُتداول بشأن محيط السلطة من اتهامات بالفساد أو الاستحواذ على المال العام، فلا يجوز تحويله إلى حقائق بمجرد تكراره، لكنه لا يجوز أيضًا إسكات الأسئلة المشروعة بشأنه. فالواجب هو التحقيق المستقل، والشفافية، والمحاسبة القائمة على الأدلة، لا الاكتفاء بمديح الأخلاق أو تبادل الاتهامات السياسية.
إن التجرد الذي يدعو إليه صاحب التدوينة لا يكتمل بإنصاف ولد اجاي في الحديث عن صفاته، بل بإنصاف الحقيقة في الحديث عن مسؤولياته.فلا نطالبه بتحمل أخطاء لم يرتكبها، ولا نعفيه من أخطاء تقع ضمن صلاحياته؛ ولا نختزل النظام في شخص واحد، ولا نسمح له بالاختباء خلف الأشخاص الذين يعملون باسمه.
وفي المحصلة، ليست القضية هل نمدح ولد اجاي أم نهاجمه، ولا هل نمنحه صك براءة أم نحكم عليه مسبقًا؛ القضية هي: هل أنتجت اختياراته حكومة قادرة على خدمة المواطن، وهل أنتج النظام مؤسسات تُقدّم الكفاءة على الولاء والمحاسبة على الحماية؟
لقد آن الأوان لطيّ صفحة السياسة التي تطلب من المواطن الصبر على الإخفاق، بينما تطلب من النخب الصمت عن أسبابه. فإما أن تتحول الثقة الرئاسية إلى إصلاح ملموس، وتُقاس المسؤوليات بالنتائج، وتُفتح أبواب المحاسبة للجميع؛ وإما أن يكون تجديد الثقة مجرد إعادة تدوير للأزمة، لا حلًّا لها.
فالدولة ليست ملكًا للموالاة، ولا ساحةً لتصفية حسابات المعارضة، ولا مشروعًا شخصيًا لأي مسؤول. إنها أمانة وطنية، ومن يتولى أمرها يُسأل عما اختار، وعما أنجز، وعما تركه من اختلالات. ولا صلاحية سياسية تُستمد من تجديد المناصب، بل من تجديد الثقة بالأفعال؛ فحين يفشل الأداء، لا يكفي تغيير الخطاب، وحين تتكرر الإخفاقات، تصبح المحاسبة ضرورة وطنية لا خيارًا سياسيًا.
محمدآبتي




