يحي حامد رئيس جمعية محاربة المخدرات والحربة
هذا الذي يجري التحضير له في الخفاء، باسم الحوار الوطني الموعود، ليس حوارا وطنيا، بل هو محاولة مكشوفة لاغتيال المجتمع المدني وتحويله إلى مجرد كومبارس يصفق لقرارات اتخذت سلفا.
لقد بلغنا أن بعض الأحزاب السياسية، من موالاة ومعارضة، اتفقت ضمنيا على صيغة خبيثة: تهميش المجتمع المدني الحقيقي، الفاعل في الميدان، الذي يواجه المخدرات والجوع والبطالة والتهميش في أحياء نواكشوط الجنوبية وفي الداخل، واستبداله بمجتمع مدني مفصل على المقاس.
صيغتهم هي: كل حزب يأتي بمنظماته.
كل حزب يصنع له جمعيات ومنظمات غير حكومية تأتمر بأمره، وتتحرك بإشارة منه، وتتكلم بلسانه، وتوقع حيث يوقع، وتصمت حيث يصمت.
وهذا غير معقول، ومرفوض، وخطير.
نسألهم بصراحة:
هل المجتمع المدني حزب سياسي؟
هل الجمعية التي تسهر الليالي لانتشال شاب من براثن المخدرات، هي نفسها لجنة شبابية في حزب؟
هل المنظمة التي تطعم أسرة فقيرة في الرياض وعرفات، هي ذراع لحزب يبحث عن مقعد في البرلمان؟
لا.
المجتمع المدني ليس تابعا، بل هو شريك، بل هو الضمير.
الأحزاب تمثل مصالحها الانتخابية، وهذا حقها. أما المجتمع المدني فيمثل الشعب حيث لا يصل الحزب، يمثل المهمشين والمنسيين، يمثل من لا بطاقة حزب له.
محاولة احتوائه وتدجينه هي محاولة لقتل آخر مساحة مستقلة في هذا البلد. إنهم يريدون حوارا بين أحزاب مع أحزاب، ويسمونه حوارا وطنيا. أي وطن هذا الذي يغيب فيه صوت الجمعيات الحقوقية، وجمعيات محاربة المخدرات، وجمعيات النساء، وجمعيات الشباب، والعلماء، والأئمة، والمنظمات المهنية الحرة؟
نحن نرفض هذا المنطق جملة وتفصيلا.
نطالب بـ:
أولاً: أن يكون للمجتمع المدني مقعد مستقل، أصيل، وليس ملحقا بالأحزاب. مقعد يختاره المجتمع المدني نفسه، بآلية شفافة.
ثانياً: أن توضع معايير واضحة: لا يحق لأي منظمة يرأسها قيادي حزبي، أو يمولها حزب، أن تتكلم باسم المجتمع المدني. هذا تضارب مصالح فاضح.
ثالثاً: أن يكون الحوار مع الشعب، لا مع ظل الأحزاب.
إن أي حوار يقصي المجتمع المدني الحقيقي، أو يحاول استنساخه في مختبرات الأحزاب، هو حوار ميت قبل أن يولد. سينتج وثيقة حزبية، وليس عقدا وطنيا.
لقد تعب الموريتانيون من حوارات الغرف المغلقة التي تقسم المناصب والريع، وتترك المرض والجوع وبؤس السكن ينخر في جسد الوطن.
لن نكون شهود زور.
لن نكون ديكورا يؤثث المشهد.
المجتمع المدني ليس للبيع، ولا للإيجار، ولا يأتمر بأوامر أحد إلا ضميره والوطن.
فإما حوار وطني حقيقي بمشاركة الجميع، وإما مسرحية مكشوفة لن نشارك فيها.




