أسوأ ما يمكن أن يحدث لدولة خرجت من الحرب ليس أن يصل إلى الحكم سياسيون سيئون فحسب، بل أن تتحول فكرة الدولة نفسها إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون، بينما يقف المواطن خارج الحسابات، يدفع ثمن الصراعات، وينتظر حقوقا يفترض أنها من واجبات الحكومة وليست منحة من الحاكم. عندها لا يعود السؤال من يحكم البلاد، بل من أقنع الحكام بأن البلاد ملك لهم، وأن المواطنين مجرد جمهور مطالب بالتصفيق أو الصمت؟.في بعض الأنظمة السياسية، لا ينظر المسؤول إلى المنصب باعتباره تكليفا مؤقتا يخضع للمساءلة، بل باعتباره استحقاقا شخصيا حصل عليه بعد سنوات من الصراع أو الولاء أو المشاركة في الحرب. ويتعامل مع الوزارة كما لو أنها مكافأة، ومع الوظائف الحكومية كما لو أنها هدايا يوزعها على المقربين، ومع المال العام كما لو أنه عائد خاص لمن وصل إلى السلطة. تتحول السياسة إلى سوق للمصالح، ويصبح النجاح مرتبطا بقدرة السياسي على جمع الموالين حوله، لا بقدرته على تحسين حياة الناس.
هذه العقلية لا تنتج دولة، بل تنتج شبكة من المصالح تتخذ من الدولة غطاء لها. فبدلا من أن تكون المؤسسات قادرة على فرض القانون على الجميع، تصبح خاضعة للأشخاص الذين يتحكمون في التعيينات والموارد والقرارات. وبدلا من أن تكون الوظيفة العامة مجالا لخدمة المجتمع، تتحول إلى وسيلة لضمان الولاء السياسي والقبلي والحزبي. أما المواطن، الذي يفترض أن تكون الدولة موجودة من أجله، فيجد نفسه مضطرا إلى البحث عن وسيط أو صاحب نفوذ للحصول على حق يفترض أن القانون يضمنه له.المشكلة أن بعض السياسيين لا يرون في وصولهم إلى السلطة بداية لمسؤولية جديدة، بل نهاية لمعركة يعتقدون أنهم يستحقون مكافأتها. ومن هنا يبدأ الخلل: من قاتل يطالب بنصيبه، ومن ساهم في التحالفات يطالب بموقعه، ومن قدم الولاء ينتظر مكافأته، ومن امتلك النفوذ يريد تحويله إلى امتياز دائم. وفي خضم هذه المطالب، يختفي السؤال الأساسي: ماذا عن المواطن الذي لم يحصل على وزارة، ولم يشارك في المساومات السياسية، ولم يمتلك وسيلة ضغط على الحكومة؟ من يدافع عن حقه في دولة لا تميزه بسبب قبيلته أو حزبه أو علاقته بالمسؤولين؟
في الدول التي خرجت من الحروب، تتخذ هذه الأزمة شكلا أكثر تعقيدا. فالتضحيات التي قدمها الناس من أجل التحرير قد تتحول إلى رأسمال سياسي تستخدمه بعض النخب لتبرير امتيازاتها. ويصبح تاريخ النضال حجة لإسكات النقد، وكأن من شارك في الحرب اكتسب حقا أبديا في الحكم، وكأن الأجيال التي جاءت بعده مطالبة بالبقاء تحت وصايته السياسية إلى أجل غير معلوم.لا أحد ينكر قيمة التضحيات التي قدمها المقاتلون والمواطنون في سبيل التحرير والاستقلال. لكن هناك فرقا بين الاعتراف بالتضحيات وتحويلها إلى ملكية سياسية. فالتضحية من أجل الوطن لا تمنح صاحبها ملكية الوطن، والمشاركة في تأسيس الدولة لا تمنح أحدا حق التصرف في مستقبلها دون رقابة. ومن يعتقد أن تاريخه يمنحه حقا مفتوحا في السلطة يخلط بين استحقاق الاحترام واستحقاق الحكم، وبين الاعتراف بالماضي وإلغاء حق المجتمع في محاسبة الحاضر.تقدم تجارب عدد من الدول الأفريقية نماذج مختلفة لهذه المعضلة. ففي زيمبابوي، ارتبطت شرعية الحكم لفترة طويلة بتاريخ التحرير من الاستعمار، حتى أصبح إرث النضال حاضرا في الصراع على الشرعية السياسية. وفي أوغندا، ظل استمرار يوري موسيفيني في الحكم منذ عام 1986 جزءا من نقاش واسع حول تداول السلطة وتجديد القيادة السياسية. أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فقد تداخل الصراع على الموارد الطبيعية مع ضعف مؤسسات الدولة وتنافس مراكز النفوذ، بما جعل الثروة الوطنية في مناطق كثيرة موضع صراع بدلا من أن تكون أساسا للتنمية.وفي نيجيريا، تطرح إدارة عائدات النفط سؤالا مستمرا عن العلاقة بين الثروة العامة والخدمات التي يحصل عليها المواطنون، بينما تكشف تجارب دول أفريقية أخرى أن إجراء الانتخابات وحده لا يكفي لبناء مؤسسات مستقلة أو إنهاء المحسوبية. تختلف الظروف التاريخية والسياسية من دولة إلى أخرى، لكن السؤال المشترك يظل قائما: كيف تتحول الدولة من مجال تتنافس فيه النخب على السيطرة إلى مؤسسة تضمن حقوق المواطنين وتخضع للمساءلة؟.لا يعني ذلك أن جميع هذه الدول تعاني المشكلة نفسها بالدرجة ذاتها، أو أن تجاربها متطابقة. لكن المقارنة تكشف أن إرث التحرير، والثروة الطبيعية، والانتخابات، والتحالفات السياسية، يمكن أن تتحول جميعها إلى أدوات لتثبيت النفوذ إذا لم تقابلها مؤسسات قوية وقواعد واضحة لتداول السلطة وإدارة المال العام.
وتزداد المشكلة عندما تتحول المحاصصة القبلية والحزبية إلى نظام دائم لتوزيع السلطة. فالتمثيل العادل للمكونات الاجتماعية قد يكون ضروريا لمنع الإقصاء وبناء الثقة، لكن التمثيل شيء وامتلاك الحصص شيء آخر. عندما تصبح كل وزارة نصيبا لجماعة، وكل وظيفة مكافأة لولاء، وكل مؤسسة منطقة نفوذ، فإن الدولة تتحول تدريجيا إلى مجموعة من المصالح المتجاورة، لا إلى مؤسسة عامة تجمع المواطنين على أساس الحقوق المتساوية.قد تتوزع المناصب بين مجموعات متعددة، وقد تعلن الحكومة أنها حققت التوازن في المشاركة، لكن هذا التوازن لا تكون له قيمة كافية إذا لم ينعكس على حياة المواطنين. فليس المهم فقط أن ينتمي المسؤول إلى مجموعة اجتماعية معينة، بل أن يؤدي واجباته، وأن يخضع للمحاسبة، وأن تكون قراراته مرتبطة بالمصلحة العامة. التمثيل الذي لا يحسن الخدمات ولا يحمي الحقوق ولا يفتح أبواب الفرص أمام الناس قد يتحول إلى واجهة سياسية تخفي استمرار الأزمة.ولا ينبغي أن تستخدم الكفاءة ذريعة لإقصاء الفئات الأقل حظا، كما لا ينبغي أن تستخدم الهوية لتجاوز شروط المسؤولية العامة. المطلوب هو نظام يضمن عدالة المشاركة، ويختار المسؤولين وفق معايير واضحة، ويحاسبهم على النتائج. أما أن تصبح هوية المسؤول درعا يحميه من المساءلة، أو أن يصبح انتماؤه السياسي مبررا لتجاوز القانون، فذلك يعني أن الولاء أصبح أقوى من الدولة.
والأكثر إشكالا أن بعض قوى المعارضة لا تختلف دائما مع الحكومة حول طبيعة النظام الذي تديره، بل حول موقعها داخل ذلك النظام. فقد تنتقد المحسوبية عندما تستفيد منها الأطراف الأخرى، لكنها لا تقدم ضمانات بأنها ستتخلى عنها إذا وصلت إلى السلطة. وقد تطالب بتوسيع المشاركة لأنها مستبعدة من المناصب، لا لأنها تؤمن بأن الوظيفة العامة يجب أن تخضع لمعايير الكفاءة والشفافية.ويصبح من الضروري إخضاع المعارضة للمعايير نفسها التي تطالب الحكومة باحترامها. فإذا كانت ترفض احتكار السلطة، فعليها أن توضح كيف ستمنع احتكارها عندما تصل إلى الحكم. وإذا كانت تنتقد توزيع المناصب على أساس الولاء، فعليها أن تلتزم بقواعد معلنة للتعيين والترقية. وإذا كانت تطالب باستقلال المؤسسات، فعليها أن تقبل بأن تكون هذه المؤسسات مستقلة حتى عندما تتعارض قراراتها مع مصالحها. لا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية قديمة، ولا يمكن إنهاء نظام الامتيازات بمجرد تغيير الأشخاص الذين يستفيدون منه. فإذا كان هدف المعارضة هو الحصول على نصيب أكبر من الوزارات والموارد، فإن المواطن لن يجد في وصولها إلى الحكم ضمانا لتحسن حياته. وقد تتغير الوجوه وتتبدل التحالفات، لكن منطق الغنيمة سيبقى قائما، لأن المشكلة لم تكن في أسماء المستفيدين وحدها، بل في القواعد التي تسمح لهم بتحويل السلطة إلى ملكية خاصة.أما المواطن، فهو الطرف الذي يدفع تكلفة هذا النظام من حياته اليومية. يدفعها عندما تتعطل الخدمات، وعندما تتراجع فرص العمل، وعندما يصبح الوصول إلى الوظيفة مرتبطا بالعلاقات، وعندما تتأخر المشروعات العامة دون مساءلة واضحة، وعندما لا يعرف أين تذهب الأموال التي يفترض أن تمول التنمية. وفي الوقت الذي تتفاوض فيه النخب على المناصب والحصص، يظل المواطن مشغولا بتأمين احتياجاته الأساسية.
ليس كافيا أن تعلن الحكومة عن مشروعات تنموية، بل يجب أن يعرف المواطن حجم الأموال المخصصة لها، والجهة المسؤولة عن تنفيذها، والجدول الزمني المحدد، والنتائج التي تحققت. وليس كافيا أن تعلن عن مكافحة الفساد، بل يجب أن تكون هناك إجراءات مستقلة للتحقيق والمحاسبة. وليس كافيا أن تتحدث عن الوحدة الوطنية، بل يجب أن يشعر المواطن بأن الخدمات والفرص والحقوق لا تتحدد بناء على الولاء السياسي أو الانتماء القبلي.حين يحتاج المواطن إلى مسؤول نافذ حتى يحصل على خدمة عامة، تكون العلاقة بينه وبين الدولة قد اختلت. وحين يصبح الحصول على الحقوق مرتبطا بالوساطة، تتحول المواطنة من أساس للعلاقة مع المؤسسات إلى مجرد صفة لا تكفي وحدها لضمان المعاملة العادلة.ولا تكفي الانتخابات وحدها لمعالجة هذه الأزمة. فالانتخابات تمنح المواطنين فرصة لاختيار ممثليهم، لكنها لا تضمن تلقائيا استقلال القضاء أو شفافية الإنفاق أو نزاهة التعيينات. ويمكن أن تتغير الحكومة بينما تبقى مؤسسات الدولة خاضعة لشبكات المصالح نفسها. ويمكن أن يصل مسؤولون جدد إلى السلطة ثم يمارسوا الأساليب التي انتقدوها عندما كانوا في المعارضة.لهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تغيير القواعد التي تنظم ممارسة السلطة. يجب أن تكون التعيينات مبنية على معايير معلنة، وأن تخضع العقود الحكومية للمنافسة والرقابة، وأن تتاح المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام، وأن تتمتع أجهزة الرقابة والقضاء بالاستقلال اللازم لأداء وظائفها. كما يجب أن يخضع المسؤول للتقييم والمحاسبة بصرف النظر عن الجهة التي رشحته أو المجموعة التي ينتمي إليها.الدولة لا تحتاج إلى حكام يدعون أنهم لا يخطئون، بل إلى مؤسسات تستطيع كشف أخطائهم ومحاسبتهم. ولا تحتاج إلى مسؤولين يطالبون المواطنين بالثقة المطلقة، بل إلى نظام يجعل الثقة نتيجة للشفافية والأداء والالتزام بالقانون. فالحاكم الذي يترك مؤسسات قادرة على العمل ومحاسبة من يتولى السلطة بعده يكون قد أسهم في بناء الدولة، أما الذي يربط كل شيء بإرادته الشخصية فإنه يجعل المؤسسات أضعف من أن تستمر بصورة مستقلة عنه.كذلك تقع على المجتمع مسؤولية رفض تحويل السياسة إلى وسيلة للحصول على المنافع الشخصية. لكن مسؤولية المواطن لا تعفي السلطة من واجباتها؛ فالحكومة هي التي تمتلك أدوات القرار والتعيين والإنفاق، وعليها أن تضمن عدالة الوصول إلى الحقوق والفرص. ولا يجوز مطالبة المواطن بالتخلي عن الولاءات الضيقة بينما تستمر المؤسسات في مكافأة تلك الولاءات وتوسيع نفوذها.
إن أزمة الدولة لا تبدأ عندما يسرق مسؤول المال العام فقط، بل تبدأ أيضا عندما يعتقد أن المنصب ملك له، وأن المؤسسة تابعة له، وأن القانون قابل للتجاوز من أجله، وأن المواطن مطالب بتبرير نقده قبل أن يطالب بحقه. عندها يصبح الفساد جزءا من طريقة التفكير في الحكم، لا مجرد جريمة يرتكبها بعض الأفراد.والسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل نخبة سياسية، في الحكم والمعارضة، ليس من يستحق المنصب لأنه ضحى أكثر، أو قاتل أطول، أو امتلك نفوذا أكبر، بل ما القواعد التي تمنع أي شخص يصل إلى السلطة من التصرف في الدولة كما لو أنها ملكه؟ ومن يضمن أن تكون الموارد العامة خاضعة لمصلحة المواطنين، لا لمصالح الذين يمتلكون القدرة على الوصول إليها؟.إذا عجزت النخب عن الإجابة عن هذه الأسئلة عبر مؤسسات وقوانين وممارسات قابلة للمحاسبة، فإنها لا تكون قد بنت دولة بالمعنى السياسي الحديث، بل تكون قد غيرت أسماء المستفيدين وتركت منطق الغنيمة قائما.
الدولة ليست غنيمة لمن انتصر في الحرب، ولا جائزة لمن فاز في الانتخابات، ولا ميراثا لمن ورث النفوذ السياسي. إنها حق عام ومسؤولية عامة، ولا يكتسب أحد حق التصرف فيها خارج القانون مهما كان تاريخه أو موقعه أو حجم نفوذه.فإذا كان السياسيون يتقاسمون المناصب والموارد، بينما يتقاسم المواطنون الفقر والانتظار وغياب الخدمات، فأي دولة هذه التي يتحدثون باسمها؟ وإذا كان الوصول إلى السلطة لا يغير سوى هوية من يسيطر على الامتيازات، فما الذي تغير فعلا في حياة الناس؟.قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وترتفع شعارات جديدة، لكن الدولة ستظل أسيرة عقلية الغنيمة ما دام الحاكم يرى نفسه مالكا لها، والمعارضة ترى الحكم نصيبا مؤجلا، والمواطن لا يجد وسيلة فعالة للدفاع عن حقوقه.الدولة التي يتقاسم السياسيون مناصبها ولا يتقاسم المواطنون حقوقها ليست دولة بناها الجميع، بل سلطة استولى عليها أصحاب النفوذ وتركوا بقية المجتمع يدفع الثمن.
#زكريا_نمر




