بقلم: سيدي محمد الطالب إبراهيم
استجابةً لرغبة بعض أصدقاء الصفحة الذين طلبوا مني ترجمة مقالي إلى العربية، أقدّم هذه الصياغة العربية، لا كترجمة حرفية جامدة، وإنما كنص عربي يحافظ على مضمون المقال وأفكاره ومساره، ويمنحها التعبير الذي يليق باللغة العربية.
في السياسة الجادة، لا يكفي أن نعرف من يحكم اليوم، بل يجب أن نعرف أيضاً كيف يستعد الوطن للغد.
وموريتانيا، عاجلاً أم آجلاً، ستصل إلى مرحلة يصبح فيها الحديث عن مرحلة ما بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمراً لا يمكن تفاديه، ولا يمكن تأجيله بالشعارات، ولا إغراقه في التكهنات والهمسات السياسية. وما تحتاجه البلاد في مثل هذه المرحلة هو نقاش وطني هادئ، مسؤول، عقلاني وجمهوري، بعيد عن الانفعال وعن صناعة الأسماء قبل أوانها.
ولا يزال أمام الرئيس الغزواني متسع من الوقت ليضع بصمته الأخيرة على مسار البلاد. وقد تبدو ثلاث سنوات فترة قصيرة، لكنها، إذا توفرت لها إرادة سياسية واضحة، وفريق منسجم، ومنهج محدد، والتزام حقيقي بالنتائج، يمكن أن تكون كافية لإحداث تحول عميق في موريتانيا.
ومن هنا أرى أن اسم محمد أحمد ولد محمد الأمين يستحق أن يوضع على الطاولة، لا باعتباره حقيقة سياسية مكتملة، ولا باعتباره مرشحاً معلناً، ولا باعتبار أن له حقاً مكتسباً في الرئاسة، وإنما باعتباره إمكانية سياسية جدية تستحق الاختبار.
هناك رجال تكبرهم المناصب، وهناك رجال تكشفهم المناصب.
ومحمد أحمد ولد محمد الأمين يبدو، في نظري، من النوع الثاني. رجل شخصية، ورجل قرار، ورجل حزم. وطريقته في تحمل المسؤولية، وطباعه، وتصميمه، وقدرته على اتخاذ القرار، توحي بأنه ليس من أولئك الذين يتركون الملفات تغرق في المكاتب واللجان والاجتماعات التي لا تنتهي.
وموريتانيا لا تحتاج فقط إلى مسؤولين يتحدثون عن الإصلاح، بل تحتاج إلى من يستطيعون قيادة الإصلاح. ولا تحتاج فقط إلى حسن النيات، بل إلى القرارات. ولا تحتاج فقط إلى البرامج، بل إلى التنفيذ.
وقد تكون هذه إحدى أهم نقاط القوة لديه.
ومن الطبيعي في الجمهورية أن تكون للناس تحفظات على بعض الخيارات، وأن يختلفوا حول الأساليب والطرق. فالاختلاف والنقد جزء من الحياة العامة. لكن عندما يظهر المسؤول في صورة الرجل المنضبط، الحازم، القادر على اتخاذ القرار، والشجاع في تحمل تبعاته، والمتمسك بالمصلحة العامة، فإن من الإنصاف أن نعترف بهذه الصفات.
فحب الوطن لا يقاس بعدد المرات التي نردد فيها كلمة الوطنية، وإنما بما نقبل على أنفسنا القيام به عندما تصبح المصلحة العامة مكلفة: أن تتخذ القرار عندما ينتظر الجميع، وأن تصلح عندما يكون الإصلاح مزعجاً، وأن تقول «لا» عندما تصبح المصالح الخاصة أعلى صوتاً من المصلحة العامة، وأن تقبل المساءلة عندما لا تتحقق النتائج.
بهذه المعايير، في اعتقادي، ينبغي أن يُحكم على محمد أحمد ولد محمد الأمين.
وإذا أُسندت إليه الوزارة الأولى، فلا ينبغي أن يكون الأمر مجرد تداول إداري على منصب، ولا مجرد تغيير في تركيبة الحكومة، بل ينبغي أن تكون أمامه مهمة حقيقية لمدة ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات لتسريع العمل، وإعادة الانضباط إلى إدارة اعتادت في بعض مستوياتها البطء والتأجيل، وجعل تشغيل الشباب أولوية عملية حقيقية لا مجرد عنوان يتكرر في الخطب.
ثلاث سنوات لتعزيز التعليم والصحة والزراعة والتنمية الحيوانية والصيد والصناعة والاستثمار.
ثلاث سنوات للحد من الإنفاق غير الضروري، ومحاربة الهدر، وتحسين الخدمات العمومية، وتقريب الإدارة من المواطن.
وثلاث سنوات، قبل كل شيء، لاستعادة شيء أصبح نادراً: الثقة بين الكلمة التي تقولها الدولة والواقع الذي يعيشه المواطن.
لكن نجاح هذه المهمة لن يتوقف على تغيير الوزير الأول وحده، بل يحتاج إلى تغيير في الفريق والمنهج معاً.
وإذا اقتضى الأمر إعادة تشكيل واسعة للحكومة، فينبغي أن تكون الأولوية لوضع كل شخص في المكان الذي تخدم فيه كفاءته مصلحة البلاد. فالحقائب الوزارية ليست مكافآت سياسية، ولا جوائز اجتماعية، ولا مساحات للراحة، ولا أدوات لموازنة النفوذ.
الوزارة مسؤولية، والوزير مسؤول عن النتائج. والدولة ليست موجودة للحفاظ على المسارات المهنية للأشخاص في الوقت الذي ينتظر فيه البلد الأداء والإنجاز.
ولهذا يجب أن يخضع محمد أحمد، إذا تولى الوزارة الأولى، لقاعدة بسيطة وواضحة: ماذا غيّر؟
كم فرصة عمل تم خلقها؟ كم مشروعاً انتقل فعلاً من الورق إلى التنفيذ؟ كم إجراءً إدارياً تم تبسيطه؟ كم استثماراً أعلن عنه ثم تحقق فعلياً على الأرض؟ هل تحسنت المدارس؟ هل أصبحت المراكز الصحية تعمل بصورة أفضل؟ هل استصلحت الأراضي؟ هل تم تكوين الشباب وإدماجهم فعلياً في سوق العمل؟ كم من أوجه الإنفاق غير المنتج تم إلغاؤها؟
والسؤال الأهم: بعد ثلاث سنوات، كم موريتانياً سيشعر فعلاً بأن الدولة أصبحت تعمل بصورة أفضل؟
هذا النوع من الحساب يمكن أن يغير المسار السياسي بأكمله.
فهناك فرق كبير بين رجل يحظى بثقة رئيس الجمهورية ورجل دولة يحظى بثقة الناس.
الأول يستند إلى ثقة رأس الدولة، أما الثاني فعليه أن يكسب ثقة المواطنين في الميدان.
وإذا تولى محمد أحمد ولد محمد الأمين الوزارة الأولى، فستكون أمامه فرصة استثنائية للانتقال من مجرد القرب من الرئيس إلى امتلاك رصيد وطني خاص به. وهنا تحديداً ستتحدد ملامح مستقبله.
فإذا أخفق، انتهى السؤال تقريباً.
أما إذا نجح، فإن طبيعة السؤال نفسها ستتغير.
رئيس حكومة يحقق نتائج ملموسة، ويعيد شيئاً من ثقة المواطنين، ويحسن أداء الدولة، ويثبت قدرته على إدارة البلاد على المدى الطويل، لن يبقى مجرد «وزير أول للغزواني»، بل يمكن أن يصبح رجل سياسة يمتلك شرعية خاصة به.
الغزواني يستطيع أن يثق به، لكنه لا يستطيع أن يمنحه ثقة الموريتانيين. تلك لا تُمنح بقرار رئاسي، وإنما تُكتسب بالعمل.
ولهذا سيكون من الخطأ تقديم محمد أحمد اليوم باعتباره «الرئيس القادم»، لأن ذلك قد يضعف المهمة الحكومية نفسها التي ينبغي أن ينجح فيها.
الأفضل هو العكس تماماً: أن يعمل، وأن يقرر، وأن يتحمل المخاطر السياسية، وأن يحقق النتائج، ثم يترك للموريتانيين مهمة الحكم عليه.
إذا خرج بعد ثلاث سنوات بسجل مقنع، وبحصيلة واضحة، وبمكانة وطنية حقيقية، عندها يمكن الحديث عن خطوة أخرى.
وإذا رأى الرئيس الغزواني في محمد أحمد رجلاً قادراً على مواصلة مشروعه، فيمكنه أن يعتبره شخصية جدية، وأن يقترحه سياسياً على الأغلبية وعلى الحزب الداعم للسلطة.
لكن الرئيس المنتهية ولايته لا يستطيع، في جمهورية، أن يختار وحده من سيخلفه.
يمكنه أن يدعم، ويمكنه أن يوصي، ويمكنه أن يقنع، ويمكنه أن يرغب في استمرار مشروعه، لكن الترشح يمر عبر الآليات السياسية والمؤسساتية، والشعب هو صاحب السيادة في النهاية.
أي أن التسلسل الطبيعي يمكن أن يكون: الغزواني يقترح، والأغلبية تدعم، والحزب يزكي، ومحمد أحمد يقنع، والشعب يقرر.
وهذا هو الفارق بين انتقال سياسي مؤسسي وبين تحويل التداول على السلطة إلى عملية تسليم شخصي.
موريتانيا بحاجة إلى أن تتجاوز المفهوم القديم للخلافة السياسية، حيث يمكن أن تصبح المسألة رهينة للأشخاص أو العائلات أو الجهات أو الشبكات أو دوائر النفوذ.
الخلافة الرئاسية ينبغي أن تصبح قضية حصيلة وكفاءة ومشروع وثقة شعبية.
وفي هذا السياق، يجب أن يبقى الجيش بعيداً عن المنافسة السياسية.
الجيش مؤسسة وطنية ملك للجمهورية، وليس ملكاً لشخص أو قبيلة أو حزب. نحترمه ونريده قوياً ومهنياً، لأن مهمته حماية الوطن ومؤسساته، لا أن يكون حكماً في اختيار الرئيس القادم.
ولهذا فإن أي ضغط سياسي على المؤسسة العسكرية يجب أن يُرفض، لا ضد الجيش، وإنما من أجل الجيش. كما يجب رفض الطموحات المدنية التي تحاول استخدام المؤسسة العسكرية، كما يجب رفض أي طموحات عسكرية تتجه إلى التأثير في خيارات المواطنين السياسية.
فالجيش يحمي الجمهورية، لكنه لا يختار رئيس الجمهورية.
وهذا التوضيح يخدم الرئيس الغزواني نفسه أيضاً.
فالرئيس الذي يستعد لمغادرة السلطة ينبغي أن يكون قادراً على المغادرة دون الحاجة إلى الاحتفاظ بالسيطرة إلى أجل غير مسمى بحجة الأمن.
والجمهورية القوية هي التي تستطيع حماية رؤسائها السابقين، دون أن تتحول الحماية إلى إفلات من المساءلة.
أمن الرئيس السابق وحمايته مسؤولية الدولة، والعدالة مسؤولية القضاء، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين.
الديمقراطية الناضجة هي التي يستطيع فيها الرئيس المنتهية ولايته أن يغادر بكرامة، ويستطيع فيها الرئيس الجديد أن يحكم دون خوف من سلفه.
ولهذا فإن أفضل خلافة يمكن أن يهيئ لها الغزواني ليست بالضرورة اختيار اسم مسبقاً، وإنما إرساء منهج.
منهج يقول إن السلطة لا تُورث، وأن الحصيلة تسبق الترشح، وأن الكفاءة تسبق الطموح، وأن الشعبية تُبنى في الميدان ولا تُصنع داخل المكاتب.
فإذا أثبتت تجربة محمد أحمد، بعد سنوات من العمل، أنه قادر على مواصلة المسار، فلماذا نستبعده فقط لأن اسمه ليس موضوعاً على الطاولة اليوم؟
السياسة بنت الظروف. والسياسيون الجادون لا يصنعون دائماً أقدارهم بأنفسهم؛ أحياناً يجدون أنفسهم أمام قدر سياسي لم يخططوا له.
وقد يجد محمد أحمد هذا القدر في الوزارة الأولى.
لكن بشرط أساسي: ألا يحكم السنوات الثلاث وعيناه معلقتان بقصر الرئاسة.
ذلك سيكون أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه.
عليه أن يحكم وكأن الرئاسة غير موجودة في حساباته، وأن يعمل وكأن لا مصيراً شخصياً ينتظره، وأن يصلح وكأن المكافأة الوحيدة التي ينتظرها هي رضا الضمير عن خدمة الوطن.
وهنا تكمن المفارقة: قد يصبح أكثر قابلية لأن يكون رئيساً عندما لا يتصرف أصلاً كمن يسعى إلى الرئاسة.
فالبلد يراقب. المواطنون يراقبون. المسؤولون يراقبون. الشباب يراقبون. رجال الأعمال والمستثمرون يراقبون. والولايات والجهات المختلفة تراقب.
وفي النهاية، النتائج هي التي تتحدث بأعلى صوت.
قد يكون لدى محمد أحمد الطبع المناسب، والحزم، والتصميم، والقدرة على اتخاذ القرار، لكن ذلك وحده لا يكفي.
السياسة الرئاسية لها بُعد آخر.
فالرئيس لا يكتفي بأن يقرر. عليه أن يجمع الناس، وأن يستمع، وأن يقنع، وأن يقبل التناقض والاختلاف، وأن يفهم مختلف مكونات البلاد، وأن يتجاوز الانتماءات الجهوية والقبلية، لا بالكلام وإنما بالممارسة.
عليه أن يمنح الشباب الثقة، وأن يطمئن المستثمرين، وأن يتحدث إلى الفقراء دون شعبوية، وأن يتحدث إلى النخب دون تعالٍ، وأن يفهم أن حكم موريتانيا يعني موريتانيا كلها.
ثلاث سنوات في الوزارة الأولى يمكن أن تنقل الرجل من رجل يحظى بالثقة إلى رجل يمتلك الحصيلة، ومن رجل يمتلك الحصيلة إلى رجل دولة.
وعندها فقط يصبح السؤال الرئاسي منطقياً.
وقد لا يكون النجاح السياسي الأكبر للرئيس الغزواني هو فقط ما سيتركه من مشاريع وبنى تحتية وبرامج وقرارات.
بل قد يكون نجاحه الأكبر أن يترك وراءه جمهورية قادرة على انتقال سلمي، واضح وموثوق للسلطة.
جمهورية لا يكون فيها شخص واحد لا غنى عنه، وجيشها يبقى في دوره، وحزبها الداعم يختار بحرية، ومرشحها يقنع الناخبين، ورئيسها المنتهية ولايته يدعم دون أن ينقل إليه السلطة بيده.
وهذا سيكون تحولاً مهماً عن ممارسات قديمة، كما سيكون حماية حقيقية لإرث الغزواني السياسي.
فالتاريخ لا يحكم على الحكام فقط بمدة بقائهم في السلطة، بل أيضاً بالطريقة التي يغادرون بها.
ترك أزمة خلافة وراءك علامة ضعف.
أما ترك منافسة سياسية مؤسساتية، سلمية وذات مصداقية، فهو علامة قوة.
وأن تترك رجلاً يثبت نفسه خلال ثلاث سنوات، ثم تترك للحزب وللشعب مهمة اتخاذ القرار، قد يكون واحداً من أهم الدروس التي يمكن أن تقدمها موريتانيا لتاريخها السياسي.
ولماذا محمد أحمد إذن؟
لأن شخصيته تستحق الاختبار، ولأن طباعه يمكن أن تخضع لمنطق النتائج، ولأن حزمه يمكن أن يتحول إلى إنتاج، ولأن تصميمه يمكن أن يتحول إلى إنجازات، ولأن وطنيته ينبغي أن تُقاس بكيفية استخدامه للوقت الذي توضع فيه مسؤولية الدولة بين يديه.
ثلاث سنوات يمكن أن تجيب عن سؤال واحد كبير:
هل محمد أحمد ولد محمد الأمين مجرد رجل يحظى بثقة الرئيس، أم أنه رجل دولة قادر على جمع الموريتانيين وقيادة موريتانيا؟
والجواب لن يأتي من الصالونات، ولا من القبائل، ولا من شبكات التواصل الاجتماعي، ولا من الطموحات التي تهمس في الأذن.
سيأتي من العمل، ومن القرارات، ومن النتائج، ومن القدرة على خدمة الوطن، وفي النهاية من حكم الموريتانيين عليه.
إن أفضل طريقة للاستعداد لمرحلة ما بعد الغزواني ليست صناعة شخص، ولا تتويج أحد مسبقاً، ولا وعد أحد بالرئاسة قبل أن يثبت نفسه.
بل إعطاء رجل ثلاث سنوات كاملة لكي يثبت قيمته، ثم ترك التاريخ يقوم بعمله.
قد تفتح الثقة الرئاسية باب الوزارة الأولى.
وقد يفتح العمل باب الشرعية.
وقد تفتح النتائج باب الشعبية.
وقد تفتح الأغلبية باب الترشح.
لكن هناك باباً واحداً لا يفتحه إلا طرف واحد:
باب القصر الرئاسي لا يفتحه إلا الشعب الموريتاني.




