كليات الشريعة تصنع حافظا للأحكام أم عقلا قادرا على التفكير؟

بواسطة yahya

 

هل تعاني كليات الشريعة في العالم العربي من غياب تدريس الفلسفة الأخلاقية؟ السؤال في حد ذاته يحتاج إلى قدر من الدقة. فالمشكلة ليست أن الأخلاق غائبة تماما عن التراث الفقهي، ولا أن كليات الشريعة لا تدرس أي قضايا تتعلق بالأخلاق. المشكلة أعمق من ذلك: هناك فرق بين دراسة الأخلاق باعتبارها مجموعة من القيم والمواعظ، وبين دراسة الفلسفة الأخلاقية باعتبارها مجالا نقديا يسأل عن معنى الخير والعدل والواجب والمسؤولية ومصدر القيم وحدودها.

في كثير من البيئات التعليمية العربية، يتلقى طالب الشريعة تكوينا واسعا في الفقه وأصول الفقه والتفسير والحديث، لكنه لا يحصل بالقدر نفسه على تدريب فلسفي يمكنه من تفكيك الأسئلة التي تقف خلف الأحكام. يتعلم ماذا يقول الحكم، لكنه لا يتدرب دائما على السؤال: لماذا يكون هذا الحكم عادلا؟ وما الذي يجعل الفعل اخلاقيا؟ وهل يمكن أن يكون تطبيق حكم معين صحيحا من الناحية الشكلية لكنه يؤدي إلى ظلم في الواقع؟ وكيف نتعامل مع الحالات التي تتعارض فيها المصالح والحقوق؟.هذه الأسئلة ليست خارج مجال الشريعة. إنها في صميم أي مشروع ديني يريد أن يتعامل مع الإنسان والمجتمع والدولة.المشكلة في بعض المناهج ليست كثرة دراسة الدين، وإنما ضيق المجال المعرفي الذي يدرس من خلاله الدين. عندما يدرس الطالب الفقه بمعزل عن الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس السياسي والتاريخ وفلسفة القانون، فإنه قد يخرج من الجامعة وهو يمتلك معرفة واسعة بالنصوص والأحكام، لكنه يفتقر إلى أدوات فهم المجتمع الذي سيطبق فيه تلك الأحكام.وهذا يخلق مشكلة حقيقية في تكوين الخطاب الديني المجتمع الحديث لا يتكون من مسائل فقهية منفصلة. هناك دولة وقانون ومواطنة وحقوق فردية وعلوم طبية وتكنولوجيا وذكاء اصطناعي واقتصاد عالمي وحروب وهجرة وفقر وتغيرات في مفهوم الأسرة والعمل والخصوصية. هذه القضايا تفرض أسئلة جديدة لا يمكن التعامل معها دائما من خلال استدعاء حكم قديم دون دراسة الظروف التي تغيرت من حوله. تظهر أهمية الفلسفة الأخلاقية.

الفلسفة لا تقدم للطالب اجابات جاهزة، وهذه بالضبط قيمتها. هي تدربه على التفكير في السؤال قبل البحث عن الإجابة. عندما يدرس الطالب مفهوم العدالة مثلا، فإنه لا يكتفي بمعرفة تعريف فقهي لها، بل يقارن بين تصورات مختلفة للعدالة، ويدرس علاقتها بالمساواة والحرية والحق والقانون. وعندما يدرس مفهوم المسؤولية، فإنه يواجه اسئلة تتعلق بالقصد والنتيجة والظروف والقدرة على الاختيار.هذا النوع من التفكير ضروري لرجل الدين والقاضي والمفتي والباحث، وليس ترفا جامعيا.لكن هناك مشكلة اخرى تتعلق بثقافة التعليم نفسها. بعض مؤسسات التعليم الديني لا تزال تعتمد على الحفظ بدرجة أكبر من التحليل. الطالب الذي يحفظ النصوص ويحصل على درجات مرتفعة قد لا يكون بالضرورة قادرا على مناقشة قضية اخلاقية معقدة. وقد يعرف عشرات التعريفات، لكنه يتعثر عندما يوضع أمام حالة واقعية تتعارض فيها القواعد والمصالح.

وينبغي طرح سؤال اكثر ازعاجا: هل نريد من خريج كلية الشريعة أن يكون حافظا للأحكام فقط، أم نريده أن يكون قادرا على التفكير في نتائج الأحكام؟.الفرق كبير.المجتمع لا يحتاج إلى شخص يعرف أن هذا حلال وهذا حرام فقط. يحتاج أيضا إلى شخص يستطيع فهم الإنسان الذي سيطبق عليه الحكم، والظروف التي يعيش فيها، والنتائج التي يمكن أن تنتج عن القرار.وهذا لا يعني تحويل الشريعة إلى فلسفة غربية، ولا استبدال الفقه بالفلسفة. مثل هذا الطرح ساذج. المطلوب هو توسيع التكوين العلمي للطالب.من الضروري أن يدرس طالب الشريعة الفلسفة الأخلاقية القديمة والحديثة، وأن يعرف أرسطو وكانط وبنثام وجون ستيوارت مل ونيتشه، كما ينبغي أن يدرس الفلاسفة والمفكرين المسلمين الذين ناقشوا العقل والفضيلة والعدالة والسياسة، مثل الفارابي وابن مسكويه وابن رشد. ليس الهدف أن يتبنى الطالب أفكار هؤلاء، وإنما أن يتعلم كيف تختلف المدارس الفلسفية في تعريف الخير والعدل والواجب، وكيف تبني كل مدرسة حجتها.كما ينبغي ألا تقتصر دراسة الأخلاق على تاريخ الأفكار. يجب أن ترتبط بالقضايا المعاصرة.ماذا يفعل الطبيب عندما تتعارض حياة شخص مع موارد المستشفى المحدودة؟ كيف يتعامل القاضي مع قانون قد يكون صحيحا من الناحية القانونية لكنه ينتج نتيجة قاسية في حالة استثنائية؟ هل يجوز للدولة أن تنتهك خصوصية المواطن باسم الأمن؟ ما حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة الناس؟

هل الفقر مسؤولية الفرد وحده أم مسؤولية النظام الاقتصادي والسياسات العامة؟.هل العقوبة هدفها الانتقام أم الإصلاح أم حماية المجتمع؟.متى تصبح طاعة السلطة خطأ اخلاقيا؟.هذه ليست أسئلة فلسفية بعيدة عن حياة الناس. هذه أسئلة سياسية وقانونية واجتماعية يعيشها المواطن كل يوم.ومن هنا يجب أن تتغير طريقة تدريس الشريعة نفسها.لا يكفي أن يكون الامتحان قائما على استرجاع المعلومات. يجب أن يقيس قدرة الطالب على تحليل الحالات ومقارنة الحجج واكتشاف التناقضات وتقييم النتائج. يجب أن يتعلم الطالب كتابة ورقة نقدية، ومناقشة موقف يخالفه، والدفاع عن رأيه بالحجة لا بالاستشهاد وحده.الأهم أن يتعلم أن الاختلاف ليس دليلا على فساد الطرف الآخر.هذه نقطة مهمة في التعليم الديني العربي. فالتكوين الذي يجعل الطالب يرى كل سؤال نقدي تهديدا، وكل اختلاف تشكيكا، وكل فلسفة خطرا، ينتج عقلا دفاعيا لا عقلا علميا. والدين الذي يحتاج إلى منع السؤال حتى يحافظ على نفسه يتحول تدريجيا من مجال للمعرفة إلى مجال للسلطة.

لا يمكن بناء خطاب ديني معاصر بعقل يخاف من الفلسفة.كما أن المشكلة ليست في الفلسفة وحدها. هناك حاجة إلى تدريس العلوم الاجتماعية داخل كليات الشريعة بصورة أكثر جدية. الفقيه الذي لا يعرف كيف تعمل الدولة الحديثة، وكيف تتشكل الطبقات الاجتماعية، وكيف تؤثر القبيلة والاقتصاد والإعلام والسلطة في سلوك الناس، سيجد صعوبة في تقديم اجابات واقعية للمجتمع. الانسان الذي يتعامل معه الفقه ليس نصا مجردا. هو انسان يعيش داخل بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية محددة.ولهذا فإن اصلاح التعليم الشرعي يجب أن يبدأ من سؤال اكبر: ما نوع الانسان الذي نريد أن تنتجه الجامعة؟.إذا كان الهدف إنتاج موظف ديني يحفظ الكتب ويكرر الاجابات، فالمناهج الحالية قد تكون كافية في بعض المؤسسات.أما إذا كان الهدف إنتاج عالم قادر على التعامل مع الدولة والمجتمع والقانون والقضايا الأخلاقية الجديدة، فإن الأمر يحتاج إلى تغيير حقيقي في المناهج.يمكن أن يكون هناك مقرر أساسي في الفلسفة الأخلاقية، ومقرر في فلسفة القانون، ومقرر في التفكير النقدي، ومقرر في العلوم الاجتماعية، مع ربط هذه المواد بالفقه وأصوله بدلا من وضعها في هامش المنهج.

ويجب أيضا فتح المجال أمام المناظرة والنقاش داخل قاعات الدراسة. الطالب الذي لا يستطيع مناقشة استاذه باحترام لن يتعلم التفكير المستقل. والجامعة التي تخاف من سؤال الطالب لن تنتج باحثا مستقلا.المطلوب ليس طالب شريعة متمردا على التراث، كما أنه ليس طالبا يعيش داخل التراث فقط. المطلوب طالب يعرف التراث ويستطيع نقده وفهم ظروفه التاريخية، ويعرف العالم الحديث ويستطيع التعامل معه، ويمتلك القدرة على الانتقال بين النص والواقع دون أن يخلط بينهما.هناك فرق بين احترام التراث وتحويله إلى سلطة فوق النقد.والتعليم الديني الذي لا يفرق بين الأمرين يضعف التراث نفسه، لأنه يحوله من مادة للبحث والاجتهاد إلى مادة للحفظ والدفاع.لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل نضيف الفلسفة الأخلاقية إلى كليات الشريعة أم لا. السؤال هو: هل نريد لهذه الكليات أن تظل مؤسسات لتخريج المتخصصين في الأحكام، أم نريدها مؤسسات تنتج علماء قادرين على التفكير في الإنسان والدولة والمجتمع؟.اذا كان الخيار الثاني هو الهدف، فإن الفلسفة الأخلاقية ليست مادة إضافية يمكن وضعها في آخر الخطة الدراسية. إنها جزء من التكوين الضروري.فالطالب الذي يعرف الحكم ولا يعرف فلسفة المسؤولية قد يطبق القاعدة دون أن يفهم نتائجها. والذي يعرف النص ولا يعرف المجتمع قد يقدم اجابة صحيحة على الورق وخاطئة في الواقع. والذي يعرف التراث ولا يعرف تاريخ الأفكار الحديثة سيجد نفسه عاجزا عن الحوار مع العالم الذي يعيش فيه. الإصلاح الحقيقي للتعليم الشرعي لا يبدأ بإلغاء التراث ولا بتقديسه، وإنما بإخراجه من العزلة.نحتاج إلى كليات شريعة لا تخاف من الفلسفة، ولا تخاف من العلوم الاجتماعية، ولا تخاف من النقد، ولا تعتبر السؤال تمردا.

نحتاج إلى طالب يستطيع أن يقول: هذا ما يقوله النص، وهذا ما قاله الفقهاء، وهذه هي الظروف التاريخية التي ظهر فيها الاجتهاد، وهذه هي المشكلة التي نواجهها اليوم، وهذه هي الحجج المختلفة، وهذه نتائج كل اختيار.عندها فقط يتحول التعليم الديني من تدريب على تكرار الاجابات إلى تدريب على تحمل مسؤولية التفكير.وهذا هو التحدي الحقيقي أمام كليات الشريعة في العالم العربي: ليس نقص النصوص، وإنما نقص القدرة على التفكير في النص والواقع والانسان في الوقت نفسه.

#زكريا_نمر