ھل تنتصر القبيلة على مفھوم الدولة؟

بواسطة yahya

 

لن اكتب هذا السؤال بوصفه تمرينا فكريا باردا، بل كوجع يتكرر كلما تعثرت اوطاننا في الطريق نحو الدولة الحديثة. في كثير من الدول الافريقية والعربية، كلما ظننا اننا اقتربنا من بناء مؤسسات مستقلة وقانون يسري على الجميع، تعود القبيلة لتجلس على كرسي القرار، لا كهوية اجتماعية محترمة، بل كسلطة تتحكم في التعيين والاقصاء، في القرب والبعد، في من يستحق ومن لا يستحق.

لا اهاجم القبيلة بوصفها مكونا اجتماعيا. فهي جزء من تاريخنا وذاكرتنا ونسيجنا. لكنني ارفض ان تتحول الى بديل عن الدولة. ارفض ان يكون الانتماء الدموي اقوى من الانتماء الوطني، وان يصبح القانون مجرد نص يفسر وفق ميزان الولاء. الدولة ليست خيمة تنصب لقبيلة اكبر، ولا غنيمة توزع بين الاقربين. الدولة فكرة قبل ان تكون مؤسسة. فكرة العدالة، وفكرة المساواة، وفكرة ان المواطن قيمة بذاته لا بامتداده العائلي.

من يرفع شعار القبيلة في السياسة لا يدافع عنها بقدر ما يدافع عن طموحه الشخصي. يستخدم مشاعر الناس كوقود، ويصنع من الخوف منصة للصعود. التعصب في جوهره ليس حماية للهوية، بل استثمار في الانقسام. والادهى ان هذا التعصب لا يظلم الاخر فقط، بل يظلم ابناء القبيلة نفسها. داخل كل قبيلة دوائر نفوذ غير معلنة، المال اولا ثم البقية. الامتياز لا يوزع بعدالة حتى داخل الصف الواحد. وهكذا تتحول القبيلة من مظلة حماية الى اداة فرز واقصاء.

في الكواليس تقايض المصالح باسم القبيلة، وفي العلن ترفع الشعارات. النتيجة واحدة، الدولة تضعف، والمجتمع يتشقق، والقبيلة نفسها تستنزف. الكفاءة والمهنية ليستا ترفا اداريا، بل شرط وجود الدولة. حين تدار المؤسسات بمنطق المحاصصة، تتحول المناصب الى غنائم. يقدم الولاء على الخبرة، والقرابة على الاستحقاق، فتتراكم الاخطاء حتى تصبح ازمات بنيوية.لدولنا الافريقية والعربية كفاءات حقيقية في الاقتصاد والادارة والقانون والاعلام والطب والهندسة. المشكلة ليست في ندرة العقول، بل في تهميشها. العقول تقصى لانها لا تتقن لعبة الاصطفاف، بينما يمكن من يتقنون فن التصفيق. الدولة التي لا تجعل الكفاءة معيارها الاعلى محكوم عليها باعادة انتاج الفشل، مهما تغيرت الوجوه.

تردد في بعض المجالس عبارة مستفزة تقول ان الجامعات لا تمنح العقول. قد لا تمنح الحكمة وحدها، لكنها تمنح ادوات التفكير والمنهج والقدرة على التحليل. اما الجهل فلا يمنح سوى يقين زائف. المفارقة ان من يستخفون بالتعليم لا يترددون في ارسال ابنائهم الى افضل المؤسسات. المشكلة ليست في الشهادة، بل في العقل النقدي الذي يربك منظومة المصالح. لان من يسال يفضح الخلل، ومن يفكر لا يدار بسهولة.واذا كانت الجامعات لا تمنح العقول كما يقال، فان المال المنهوب ايضا لا يمنح الحكمة. الثروة الملوثة لا تصنع رجال دولة، بل تصنع طبقة تبحث عن حماية نفوذها عبر السلطة. وهنا نصل الى الوجه الاخر للعصبية، وهو الفساد. الفساد في كثير من الدول الافريقية والعربية لم يعد حادثة معزولة، بل اصبح نمطا. خطورته لا تكمن فقط في المال المنهوب، بل في الثقة المنهوبة. حين يفقد المواطن ثقته في المسؤول، يفقد ثقته في الدولة ذاتها.

الفساد يخلق طبقة من اصحاب الاموال الملوثة، وهذه الطبقة تسعى الى السلطة لحماية مصالحها. تستخدم العصبية لحماية الفساد، ويستخدم الفساد لتعزيز العصبية. دائرة مغلقة يدفع ثمنها المجتمع كله. اقتصاديا يضعف الاستثمار ويهدر الموارد ويفتح ابواب غسل الاموال. اجتماعيا يزرع الاحباط. سياسيا يقتل فكرة العدالة وتكافؤ الفرص.انا لا ادعو الى الغاء القبيلة او الهويات التقليدية، فهذا وهم. لكنها يجب ان تبقى في اطارها الطبيعي، اطارا اجتماعيا وثقافيا، لا اطارا حاكما للدولة. الدولة الحديثة لا تعادي الهويات، لكنها تخضعها لقانون واحد. المواطنة هي السقف الاعلى الذي يحتمي به الجميع. ان لم نرسخ هذا المفهوم، سنبقى ندور في حلقة من الازمات، نحمل فيها الاخر المسؤولية بينما العطب في بنية التفكير.

السؤال لم يعد هل تنتصر القبيلة على الدولة. السؤال الحقيقي هل نملك الجرأة لننتصر لفكرة الدولة. الدولة ليست شعارا في الخطب، بل عدالة في التطبيق، وكفاءة في الادارة، ومساواة في الفرص. ومن دون ذلك ستظل دولنا الافريقية والعربية تتعثر في المكان نفسه مهما تغيرت الشعارات.

#زكريا_نمر