في نقد القياس بين''لحراطين'' و''الداليت'': نحو قراءة موريتانية لمسألة الانعتاق

بواسطة yahya

 

 

قراءة في مقال الدكتور والخبير لو غورمو عبدول حول المظالم التاريخية وسياسات الانعتاق

 

تمهيد: في فضيلة النقاش وتهافت الإنكار يُحسب لمقال الأكاديمي والسياسي لوغورمو عبدول لو أنه فتح نافذة لنقاش هادئ ورصين حول واحدة من أشد القضايا حساسية في الوجدان الجمعي الموريتاني؛ مشكلاً بذلك محاولة للمقاربة والتفكيك تتجاوز الخطاب الانفعالي والتجييش السطحي إلى آفاق المقارنة السيولوجية واستلهام التجارب الإنسانية.

إن الاعتراف بالمظالم التاريخية التي لحقت بفئة "لحراطين"  -وغيرها من الفئات التي عانت أشكالاً من التهميش أو التبعية - ليس محل مساومة أو مناكفة؛ فالحقيقة التاريخية لا تزول بإنكارها، والمظلمة لا تخبو جذوتها لمجرد أن المجتمع يتوق إلى التجاوز والتغاضي. غير أن التحدي المنهجي الأبرز الذي يواجه السيولوجيا السياسية لا يكمن في إثبات وجود المظلمة، بل في كيفية توصيفها وتفسير آليات إعادة إنتاجها.

أولاً : معضلة المماثلة المنهجية (القياس الفاسد وتفكيك البنية):

تستدعي المقارنة بين تجربة "لحراطين" في موريتانيا وتجربة "الداليت" (المنبوذين) في الهند قدراً عالياً من الاحتراز المنهجي. فالتحليل العلمي المقارن لا يستقيم بالوقوف عند تشابه "النتائج" (كالفقر والتهميش وهشاشة الموقع الاجتماعي)، وإنما يقتضي بالضرورة تشابهاً في البنية الهيكلية والمحددات الأنثربولوجية التي أنتجت تلك النتائج.

لقد أقر الأستاذ غورمو نفسه بتمايز التاريخ، والبنية الاجتماعية، والمرجعية الدينية، والنظام السياسي بين الهند وموريتانيا. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال الفلسفي والمنهجي يتحول من: هل توجد تقاطعات بين التجربتين؟ (وهو أمر يسير الإثبات على مستوى الأعراض) إلى: ما هي حدود الحجية التي يمنحها إيانا هذا التشابه الجزئي؟ وما هي النتائج التأويلية والسياسية التي يحظر علينا استنتاجها؟

من جهة، نشأت فئة "الداليت" داخل نظام طبقي كاستي (Caste system) مبرر لاهوتياً؛ وهو نظام يقوم على منطق "الطهور والنجس" المقنّن صارماً، حيث العزل الاجتماعي شامل ومستدام في المأكل، والمشرب، والمجال الفضائي، والمهن الموروثة.

أما في المقابل، فإن البنية الاجتماعية الموريتانية -رغم قسوة علاقات التبعية والتراتبية العبودية التي شهدتها - فلم تعرف مفهوم "النبذ" أو "النجاسة الاجتماعية". لقد كان "الحرطاني" جزءاً أصيلاً مدمجاً في النسيج المفهومي واليومي للقبيلة والحي؛ فُتحت أمامه أحياناً آفاق الترقي الاقتصادي، وتولي قيادة الجماعات (الأفخاذ)، وامتلاك الثروة، بل والمصاهرة والتداخل الروحي والديني في الجامع، والمقبرة، والإمامة، والمشيخة الصوفية.

إن العبودية وآثارها المترسبة في موريتانيا ظاهرة مأساوية لا تحتاج إلى إلباسها "ثوباً هندياً" أو استعارة مفهوم "النبذ" كي نثبت إدانتها الأخلاقية؛ فالظلم يتغذى على ذاته ولا يستمد قبحه من المفهوم المجلوب لتوصيفه.

ثانياً: الدرس المفاهيمي وخطورة "استيراد النماذج" 

إن ما أسماه الكاتب "الدرس المفاهيمي الأول" -ومفاده أن "الداليت" ليسوا عرقاً بل فئة تشكلت عبر سياق تاريخي اجتماعي -يُعد طرساً تحليلياً مفيداً إذا كان الغرض منه نفض الغبار عن المقاربات العرقية الاختزالية للمسألة الموريتانية. لكن هذا الاشتراك المفهومي في "التشكل التاريخي" لا يعني بحال من الأحوال صلوح النموذج الهندي للاستنسال الحلولي.

تطرح المقارنة السياسية هنا سؤالاً جوهرياً: هل المقارنة أداة للفهم والتفكيك، أم مدخل لاستيراد الحلول المعلبة؟ إذا كانت الهند قد استدعت حكمة "غاندي" ونضال "أ مبيدكار" لمداواة جراحها الكاستية، فإن المجتمع الموريتاني لا يعاني عُقماً مرجعياً؛ إذ يمتلك في المرجعية الإسلامية المقاصدية ذخيرة أخلاقية وإنسانية شمولية تؤسس للكرامة والمساواة الجوهرية (﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى ﴾). وهي مرجعية ليست مجرد نصوص تشريعية باردة، بل هي العصب الحاضن لوجدان المجتمع، والتي متى ما أُحييت بعقلانية وحكمة وطنية، شكلت مرتكزاً صلباً لمصالحة تاريخية وانعتاق حقيقي، دون حاجة لقص وتثبيت تجارب نبتت في تربة عقائدية وثقافية مغايرة.

ثالثاً: السياسات التعويضية وإشكالية بناء "الدولة الوطنية": 

في محاورته للسياسات التعويضية والتمييز الإيجابي التي أفرد لها الكاتب مساحة واسعة، ينبغي نقل النقاش إلى السؤال التأسيسي والأسبق: أي دولة نريد؟ في هده النقطة اريد ان اذكر الأستاذ وهو أدرى من غيره ان موريتانيا تعاني من تعثر بنيوي في استكمال أركان "الدولة الحديثة" القائمة على سيادة القانون، والمواطنة الناجزة، والمؤسسات المستقرة. وإن كثيراً من التوترات الفئوية الحالية هي نتاج مباشر لإدارة الدولة بلغة "التوازنات التقليدية" وتوزيع الغنائم، بدلاً من تكريس المنطق المؤسسي.

وهنا يبرز التقابل الحاد بين نموذجين لإدارة التنوع: فمن ناحية، يقوم نموذج الدولة الهوياتية (دولة الحصص والتوازنات) على المحاصصة وتوزيع الوظائف بين الفئات والجماعات، ويتعامل مع التمييز الإيجابي كأداة دائمة تُثبّت الهويات وتُأبّدها، بهدف توزيع السلطة والثروة بين مكونات متنافسة. ومن ناحية أخرى، يتأسس نموذج الدولة الإدماجية (دولة المواطنة والمؤسسات) على أن الوظيفة العامة حق للمواطن المعتمد على الكفاءة والشرط القانوني، بينما يُعتبر التمييز الإيجابي مجرد تدبير موقت وخاص لمعالجة اختلالات هشة ومحدودة في الزمن، بهدف صهر الفروق وتحييد الأصول الاجتماعية لصالح مواطنة مجردة.

إن التمييز الإيجابي الموجه لحراطين وللفئات المغبونة تاريخياً يُعد إجراءً مشروعاً وضرورة أخلاقية، بشرط ألا يتحول إلى مأسسة للهويات الفرعية وتفكيكٍ لمفهوم المواطنة الجامعي. الغاية من سياسات الإنصاف ليست جعل "الأصل الاجتماعي" المعيار المخلّد لنيل الحق، بل جعل هذا الأصل -مع مرور الزمن والفرص -عنصراً عديم الأثر في تحديد مصير الإنسان وفرصه الحياتية.

رابعاً: مقتضيات الحل: التعليم، الاقتصاد، والمصالحة التاريخية:

إن الانعتاق الحقيقي لا يتحقق بالمناقلات السياسية أو المحاصصة الرمزية، بل بتمكين ثلاثي الأبعاد:

  1. التعليم العمومي الناهض: بوصفه الرافع الاجتماعي الأول، والسبيل الوحيد لتحويل الفرد من "موضوع" لسياسات الدولة إلى "شريك" فاعل في صناعتها.
  2. التمكين الاقتصادي المنهجي: عبر فتح مجالات الملكية، والائتمان، والتشغيل المنتوج، ومعالجة الهشاشة في أرياف وأدوار الانتشار السكاني، ضمن رؤية وطنية لا تزرع الضغينة.
  3. التسامي الأخلاقي والمفهومي مع الماضي: لا يمكن بناء مستقبل مشترك بتحويل الماضي إلى "محكمة دائمة" تُورث فيها الأحقاد وتوزع فيها الذنوب بالوراثة. فالعبودية ليست معرة في وجه الضحية، وإنما الخزي في فعل الظلم وممارسته وترسيخه.

خاتمة: 

نحو نموذج موريتاني للانعتاق إن قضية لحراطين -وقضايا المظالم التاريخية كافة في موريتانيا -لا ينبغي أن تظل أسيرة السؤال التراجيدي: من كان الظالم ومن كان المظلوم؟ بل يجب أن ترتقي إلى مستوى السؤال الاستشرافي: كيف نبني دولة مؤسسات جامعة لا يستطيع الظلم القديم أن يعيد إنتاج نفسه فيها في صور جديدة؟

عند هذه النقطة الاستراتيجية، يتحول الانعتاق من "مطالبة فئوية" إلى مشروع وطني كلي، ويتحول الاعتراف بالماضي من "وقود للصراع" إلى جسر للمصالحة الوطنية. وتلك هي الغاية الأسمى لكتابة التحرر: أن يشرق يومٌ في موريتانيا لا يحتاج فيه المواطن إلى استدعاء أصله الاجتماعي أو فئته كي يثبت حقه الكامل وغير المنقوص في المواطنة والكرامة.

الضابط االسابق سيدي محمدالتھام

 

 

 

.