البكلوريا، بين لعنة الجمھورية ومسلسل النحس الموروث

بواسطة yahya

الباكالوريا، بين لعنة الجمهورية ومسلسل النحس الموروث 

في كل سنة، وفي مثل هذه الأيام التي تتشابك فيها أنفاس الطلاب مع أوراق الامتحان، تعود "الباكالوريا" لتجلس على عرش اللحظة الحاسمة، تفرض سطوتها الرمزية وتستعرض طقوسها كأنها شعيرة من شعائر الحداثة التي لم تكتمل. إنها ليست مجرد امتحان في ورقة، بل طقس جمهوري مشوب بلعنة الخيبة، ومهرجان وطني تحوم فوقه أشباح المصير المجهول.

لقد أرادت الدولة الموريتانية الحديثة، منذ نشأتها على أطلال المستعمر، أن تجعل من شهادة الباكالوريا مرجعًا طبقيًا جديدًا، بديلاً عن النسب القبلي والزعامة التقليدية. فتم تحويل هذه الورقة إلى صك شرعية جديد، من لا يحملها لا يدخل نادي "المستحقين"، ومن نالها صار "مشروع موظف جمهوري" أو "مواطن صالح للبطالة المعتمدة".

لكن هذه الرؤية التحديثية، وإن بدت مثالية في خطاب التأسيس، سرعان ما اصطدمت بجدار الواقع. فالدولة التي بشّرت بالأمل المدرسي، لم تُنشئ سوقًا يستوعب هذا الأمل. ومنذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، ظل خريجو الباكالوريا يتزاحمون على عنق الزجاجة، يتدحرجون بين تخصصات مفروضة وفرص غائبة، وبين جامعات لا تسمن ولا تغني من جهل، وواقع يئد الأحلام في مهدها.

وهكذا، تحولت الباكالوريا من "أداة تحرير" إلى "بوابة التيه"، ومن "عقد أمل" إلى "عقدة وجود". كثير من الحاصلين عليها اليوم يجدون أنفسهم أمام خيارات ثلاث: إما النجاة في الخارج (لمن استطاع إلى الهجرة سبيلا)، وإما لعنة البطالة المقدسة، وإما مسلسل النحس الذي يبدأ بتخصص لا يحبه، وينتهي بوظيفة لا وجود لها.

المفارقة أن هذه الشهادة، رغم هذا التاريخ الطويل من الوجع، لا تزال تحظى بهالة من القداسة المجتمعية، حتى كأنها "ختم النبوة المدرسية". وربما يعود ذلك إلى الإرث الكولونيالي الذي ربط بين الشهادة والسلطة، حيث كان حامل الباكالوريا في عهد الإدارة الفرنسية يعادل موظفًا ساميًا، ثم انتقل هذا التقديس إلى زمن الدولة الوطنية، وأصبح من لا يحملها "ناقص مواطنة".

اليوم، ونحن في قلب التحول الرقمي، وفي زمن الذكاء الصناعي، لا تزال الباكالوريا تُمتحن بعقلية الطباشير، وتحاكَم بمعايير ستينيات الجمهورية الأولى. أما الطالب، فهو الحلقة الأضعف، يجلس على كومة من التناقضات، لا يدري أهو على أعتاب المستقبل، أم في طريقه إلى أرشيف العاطلين المزمنين.

فهل آن الأوان لنزع القداسة عن هذه الورقة؟
هل نملك شجاعة السؤال حول جدوى نظامنا التعليمي؟
أم أننا سنظل نُخرّج آلاف الباكالوريين كل عام، نلقي بهم في الصحراء الكبرى للبطالة، ثم نعود لنحتفل بالنجاح المزعوم؟

ربما تكون الإجابة عند التاريخ نفسه، أو في مرآة الدولة التي صنعت من الباكالوريا رمزًا، لكنها لم تصنع من النجاح واقعًا.
#الله_يلطف

سيداحمد باب امباتي