التاريخ يكرم ... والعدالة تمارس

بواسطة yahya

 

في الدفاع عن الإنصاف دون انتقاص من أمجاد التاريخ

قد يكون لتجكجة تاريخٌ عريق، وهذا مما لا يجادل فيه عاقل، لكن السؤال الذي تهرب منه معظم الردود هو: هل يتحول التاريخ إلى سند ملكية للحاضر؟ وهل يصبح فضل الآباء صكًا يمنح الأحفاد حقًا دائمًا في التمثيل السياسي والإداري؟

عندما طالب عمدة تامورت انعاج بآلية أكثر عدلًا في توزيع المناصب والتنمية داخل الحزب والدولة، لم يطعن في تاريخ تجكجة، ولم ينتقص من أهلها، وإنما كشف بالأمثلة واقعًا يراه الجميع؛ فحين يكون نصيب مدينة واحدة من المتدخلين في مهرجان حزبي أكبر من نصيب جميع بلديات الولاية مجتمعة، وحين يكون فدرالي الحزب ورئيس الجهة من المدينة نفسها، فإن الحديث عن اختلال التوازن يصبح نقاشًا مشروعًا، لا جريمة تستوجب كل هذا الغضب.

والمفارقة أن معظم الردود لم تناقش جوهر ما طرحه الرجل، ولم تُفنِّد الأمثلة التي استند إليها، وإنما آثرت الاحتماء بالتاريخ، وكأن التاريخ أصبح جوابًا جاهزًا لكل سؤال يتعلق بالعدالة والإنصاف.

غير أن التاريخ، إذا كان هو المعيار، فليس حكرًا على مدينة واحدة، ولا على جماعة واحدة.

فتيشيت إحدى أعظم الحواضر العلمية في بلاد شنقيط، وكصر البركة كانت منابرها مقصدًا لطلاب العلم، ومنها انتشر الفقه والقضاء وتعليم القرآن إلى آفاق واسعة. والرشيد، والنيملان، والميتان لم تكن مجرد قرى متناثرة، بل كانت معاقل للمقاومة، وحواضن للعلم، وأسهمت في حماية المجتمع وصيانة وحدته، كما أسهمت في صناعة رجاله وقيمه.

ويكفي أن نستحضر ما كان لميسم كنتة، وميسم الشريف عبد المؤمن، من هيبة واحترام بين مختلف القبائل، حتى لدى أصحاب الشوكة من مغافرة وبني عمومتهم من حسان، حيث كان حامل ذلك الميسم يأمن على نفسه وماله، ويجد من الحماية ما يجعل تلك الهيبة إحدى الصفحات المضيئة في تاريخ السلم الاجتماعي بهذه الربوع.

وكما لا يجوز اختزال تاريخ تكانت في مدينة واحدة، لا يجوز كذلك اختزال العلم في اسم واحد، مهما بلغت منزلته. فالإمام سيدي عبد الله ولد الحاج إبراهيم قامة علمية استثنائية، غير أن ذلك لا يحجب حقيقة أن هذه القصور كانت تزخر بالفقهاء والقضاة والمشايخ، وأنها بلغت من الاكتفاء العلمي مبلغًا جعلها تنتج علماءها، وتُخرِّج قضاءها، وتنشر رسالتها العلمية قبل أن تعرف البلاد مؤسساتها الحديثة.

وصحيح أيضًا أن أبناء تجكجة كانوا من أوائل من التحقوا بالتعليم النظامي، فسبقوا إلى الوظيفة العمومية، واستثمروا ذلك في خدمة أهلهم، وهو أمر لا يُلامون عليه، بل يُحسب لهم. غير أن تلك الأفضلية التاريخية لم تعد قائمة اليوم؛ فقد تغيّر المجتمع، واتسعت دائرة التعليم، وأصبحت جميع بلديات تكانت تزخر بالكفاءات من أطباء، ومهندسين، وأساتذة، وقضاة، وإداريين، صنعوا مكانتهم بجهدهم وكفاءتهم، لا بمنحة التاريخ.

ومن هنا فإن معيار التمثيل لا ينبغي أن يكون: من سبق بالأمس، وإنما من يستحق اليوم. فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الإرث، وإنما بمنطق العدالة، ولا تُبنى على احتكار الفرص، وإنما على تكافؤها.

إن تكريم التاريخ واجب، لكن تحويله إلى ذريعة لاستدامة الامتيازات يسيء إلى التاريخ نفسه؛ لأنه ينقل أمجاد الأسلاف من فضاء الاعتزاز إلى ميدان الصراع السياسي، ويجعل الماضي حجة لتعطيل استحقاقات الحاضر.

ولهذا، فإن ما طالب به عمدة تامورت انعاج لم يكن انتقاصًا من تجكجة، ولا من دورها الوطني، وإنما كان دعوة إلى أن تنعكس وحدة الولاية في عدالة تمثيلها، وأن تُوزع المسؤوليات والفرص وفق الكفاءة، وحجم المشاركة، والاستحقاق، لا وفق النفوذ المتراكم أو الإرث السياسي.

إن الدفاع عن تاريخ تجكجة حق، كما أن الاعتزاز بتاريخ تيشيت، وكصر البركة، والرشيد، والنيملان، والميتان، وسائر حواضر تكانت حق لا يقل عنه مشروعية. أما العدالة، فلا تكون بالانتصار لذاكرة مدينة، وإنما بالإنصاف بين جميع أبناء الولاية.

فالتاريخ لا يُختزل في مدينة، كما أن الولاية لا تُدار بذاكرة الأمس وحدها، وإنما تبنى بإرادة الحاضر وعدالة المستقبل.

حمادي سيد امحمد آباتي