بعد سبع سنوات من الحكم، لم يعد تقييم أداء السلطة يُقاس بحجم الخطابات ولا بكثرة المؤتمرات الصحفية، وإنما بما تحقق فعلاً في حياة المواطنين. فالحكومات تُقاس بقدرتها على تحسين مستوى العيش، وتعزيز العدالة، وترسيخ دولة القانون، وتوفير الخدمات الأساسية، لا بقدرتها على صناعة الصورة الإعلامية أو تكرار الوعود.
لقد دخلت موريتانيا هذه المرحلة وسط آمال كبيرة بإحداث تحول حقيقي في الإدارة والتنمية ومحاربة الفساد، إلا أن الواقع الذي يعيشه المواطن في كثير من المجالات ما يزال يثير تساؤلات عميقة حول حصيلة هذه السنوات.
فعلى المستوى الاقتصادي، لا تزال القدرة الشرائية للمواطن تتراجع تحت وطأة ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، في حين تتسع دائرة البطالة، خاصة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات. ورغم الحديث المتكرر عن النمو والاستثمارات الكبرى، فإن المواطن العادي لا يلمس انعكاس ذلك على دخله أو مستوى معيشته، ولا يجد فرص العمل التي تمكنه من بناء مستقبل كريم.
أما على الصعيد الاجتماعي، فما تزال مظاهر الهشاشة والفقر قائمة في مناطق واسعة من البلاد، وتعاني آلاف الأسر من صعوبة الحصول على الماء الصالح للشرب، فضلاً عن التفاوت الكبير في مستوى الخدمات بين العاصمة والولايات الداخلية. ولا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية حقيقية ما دامت الفوارق تتسع، وما دام جزء كبير من المواطنين يشعر بأنه خارج دائرة الاستفادة من ثمار التنمية.
وفي القطاع الصحي، ما تزال المستشفيات والمراكز الصحية تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالنقص في التجهيزات والأدوية والكوادر الطبية، الأمر الذي يدفع كثيرًا من المرضى إلى البحث عن العلاج في الخارج أو تحمل أعباء مالية تفوق قدراتهم. فنجاح المنظومة الصحية لا يُقاس بعدد المباني التي تُدشَّن، وإنما بقدرتها على تقديم خدمة تحفظ كرامة الإنسان وتضمن حقه في العلاج.
أما التعليم، الذي يُفترض أن يكون ركيزة التنمية، فما يزال يواجه تحديات تتعلق بجودة التكوين، والبنية التحتية، وتوفير الوسائل التعليمية، وتحسين أوضاع المعلمين. فإصلاح التعليم لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء مدرسة وطنية قادرة على إعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارة وروح المواطنة.
وسياسيًا، فإن بناء دولة قوية لا يقتصر على تنظيم الانتخابات أو إصدار البيانات، بل يتطلب ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز استقلال القضاء، وتوسيع المشاركة السياسية، واحترام الرأي المخالف، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالثقة بين الدولة والمجتمع لا تُبنى بالخطاب، وإنما بالشفافية والعدالة والمساواة أمام القانون.
غير أن المتابع للحياة السياسية في موريتانيا يلحظ أن المشهد العام فقد كثيرًا من حيويته، حتى أصبح الحديث عن وجود رأي ورأي آخر أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع. فالمعارضة لم تعد تمارس دورها بالفاعلية المطلوبة في الرقابة والمساءلة، كما أن الموالاة لم تعد تقدم مشروعًا سياسيًا متمايزًا يقوم على الدفاع عن البرامج والحصيلة، بقدر ما أصبحت الساحة السياسية، في نظر كثير من المتابعين، أسيرة اصطفافات ظرفية وتجاذبات لا تنعكس إيجابًا على حياة المواطنين. ويثير هذا الواقع تساؤلات مشروعة حول طبيعة أي حوار سياسي يُراد له أن يكون جامعًا، إذ يصعب تصور حوار وطني حقيقي في ظل غياب التوازن بين الموالاة والمعارضة، وتراجع حضور الرأي والرأي الآخر، لأن الحوار بطبيعته يفترض وجود أطراف سياسية فاعلة تعبر عن رؤى وبرامج مختلفة، وتتفاعل في إطار تنافسي يخدم المصلحة العامة.
وفي المقابل، تصاعد حضور الخطابات الشرائحية والعرقية، وأصبحت مجموعات مثل الكادحين و«أفلام» تتصدر جزءًا كبيرًا من الجدل السياسي والإعلامي، بما يجعل النقاش العام ينصرف، في كثير من الأحيان، إلى قضايا الهوية والانتماء أكثر من انصرافه إلى معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل المواطنين. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع القضايا المعيشية، من غلاء الأسعار والبطالة وأزمة الماء وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، إلى مرتبة متأخرة في سلم الاهتمام، بينما يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر من انشغال النخب السياسية بصراعات لا تقدم حلولًا عملية لمشكلاته اليومية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس نقص الموارد، بل غياب الإرادة السياسية للإصلاح الحقيقي. فالتجارب الدولية أثبتت أن الإدارة الرشيدة، ومحاربة الفساد، والكفاءة في تسيير المال العام، هي الأساس الذي تقوم عليه التنمية المستدامة، مهما كانت إمكانات الدولة محدودة. كما أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإحياء الحياة السياسية، وإعادة الاعتبار للمنافسة الديمقراطية، وفتح المجال أمام الحوار الوطني المسؤول، حتى يصبح التنافس بين القوى السياسية قائمًا على البرامج والحلول، لا على صناعة الأزمات أو إدارة الاستقطابات.
لقد أصبح المواطن اليوم أكثر قدرة على التمييز بين الإعلان عن المشاريع وبين أثرها الحقيقي في حياته اليومية. فهو لا يبحث عن أرقام كبيرة، وإنما عن ماء يصل إلى منزله، ومدرسة يتلقى فيها أبناؤه تعليمًا جيدًا، ومستشفى يجد فيه العلاج، وفرصة عمل تحفظ كرامته، وإدارة تحترم حقوقه وتعامله باعتباره شريكًا في الوطن، لا مجرد متلقٍّ للوعود.
فالأنظمة لا تُخلَّد في التاريخ بما تكتبه عن نفسها، وإنما بما يكتبه عنها مواطنوها من خلال واقعهم المعيشي. فحين يشعر المواطن بأن حياته قد تحسنت، يصبح الإنجاز حقيقة لا تحتاج إلى دعاية. أما إذا بقيت الأزمات على حالها، فإن كثرة الخطابات لن تغير من الواقع شيئًا.
وبعد سبع سنوات، لم يعد السؤال: كم مشروعًا أُعلن عنه؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: كم أسرة خرجت من دائرة الفقر؟ وكم شابًا وجد عملًا؟ وكم مريضًا تلقى علاجًا كريمًا؟ وكم مدرسة أصبحت قادرة على صناعة المستقبل؟ وكم مواطنًا استعاد ثقته في أن السياسة وُجدت لخدمة المجتمع، لا لإدارة الأزمات أو الانشغال بصراعات الهوية؟ فهذه هي المعايير التي تُقاس بها نجاحات الدول، وتُبنى بها الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويبقى بها الإنجاز الحقيقي شاهدًا على المرحلة.
سيدي محمد ولد اخليفة




