حين يتحول التاريخ إلى أداةٍ لاقتطاع الجغرافيا، يصبح كل شعبٍ مهددًا بأن يفقد وطنه على طاولة الذاكرة.
إن العلاقات بين المغرب وموريتانيا، كما العلاقات بين موريتانيا والسنغال، أعمق وأعقد من أن تُختزل في تصريحٍ عابر أو في قراءةٍ انتقائية لصفحة من الماضي. فقد كان هذا الفضاء الممتد من سجلماسة إلى نهر السنغال مجالًا مفتوحًا لحركة العلماء والتجار والقوافل والقبائل، لا تعرف حدوده ما نعرفه اليوم من خرائط الدول الحديثة.
ولو كان التاريخ وحده يُنشئ الحقوق السياسية، لكان للموريتانيين أن يذهبوا أبعد مما يذهب إليه غيرهم. فالرباط الذي حمل المرابطون اسمه، ونشأت نواته في المجال الصنهاجي الذي كان يمتد في قلب الصحراء الموريتانية، أسسه رجال لمتونة وصنهاجة، ثم انطلقت منه دولة اتخذت من مراكش عاصمةً لها. ومع ذلك، لم يقل أحد من أهل الإنصاف إن هذا يمنح موريتانيا حق المطالبة بمراكش أو الرباط، لأن الدول لا تُورث كما تُورث الأملاك، ولا تُبنى السيادة على أمجاد الأسلاف.
وكذلك فإن وجود أضرحة أجداد قبائل موريتانية في الجزائر لا يمنح الجزائر حق الادعاء بأن موريتانيا جزء من أراضيها، وإلا لتحولت المقابر إلى وثائق ملكية، ولأصبحت هجرات القبائل عبر القرون خرائطً سياسية ملزمة للأحياء.
أما جنوبًا، فإن آثار الحضور الموريتاني في السنغال ما تزال ماثلة في التاريخ والواقع معًا. ففي سان لويس بقيت شواهد الوجود الشنقيطي، وظلت أسر موريتانية تمتلك الأراضي الزراعية على الضفة اليسرى للنهر، كما بقيت عائلات تتوزع بين ضفتيه، في تكانت والسنغال، دون أن تستطيع الحدود الحديثة أن تمحو وشائج النسب والتاريخ. وعرفت المنطقة زمنًا كانت فيه إمارتا الترارزة والبراكنة تمارسان نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا تجاوز النهر، وكانت المغارم تؤدى لهما في مناطق معروفة.
ومع ذلك، لم تجعل موريتانيا من هذا التاريخ ذريعةً للمطالبة بأرض السنغال، لأن التاريخ شيء، والسيادة في مفهوم الدولة الحديثة شيء آخر.
لقد وُلدت موريتانيا المستقلة في ظروف استثنائية، دولةً فتيةً خرجت من الاستعمار بإمكانات محدودة، تواجه تحديات الاعتراف بوجودها، بينما كانت أجزاء من مجالها التاريخي والبشري قد توزعت بين الدول المجاورة بفعل سياسات الاستعمار، حتى أصبح الشعب نفسه موزعًا بين حدود لم يصنعها.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يُصيب التاريخ هو أن يتحول إلى شاهد زور، يُستدعى كلما احتاجت السياسة إلى تبرير روايتها. فالتاريخ لا يُقرأ بالانتقاء، ولا تُستخرج منه الأحكام كما تُستخرج الفتاوى. إنه سجلٌ معقد، تتداخل فيه الهجرات والدول والبيعات والتحالفات والأنساب، ولا يجوز أن يُختزل في جملةٍ عابرة أو خطابٍ احتفالي.
إن احترام التاريخ يبدأ باحترام حقائق الحاضر، واحترام الدول كما اعترف بها العالم، واحترام الشعوب كما اختارت أن تكون. أما تحويل الذاكرة إلى صكوك ملكية، فلن يقود إلا إلى نزاعات لا تنتهي، لأن لكل أمةٍ تاريخًا تستطيع أن تستحضره، ولكل أرضٍ رجالًا مروا بها وتركوا فيها أثرًا.
ويبقى التاريخ، حين يُقرأ بعين الإنصاف، جسرًا للتعارف بين الأمم، لا سلاحًا لتغيير الخرائط.
حمادي سيدي محمد آباتي




