في كل مرة تشهد فيها دولة من دول غرب إفريقيا انقلابا عسكريا، تتكرر الرواية ذاتها الديمقراطية تعرضت لانتكاسة، والجيش أطاح بالشرعية الدستورية. غير أن هذا التوصيف، على الرغم من صحته القانونية، يظل قاصرا عن تفسير ما يحدث. فالانقلاب ليس بداية الأزمة، بل لحظة انكشافها. إنه النتيجة الظاهرة لمسار طويل من تآكل شرعية الدولة، وعجز المؤسسات، وانفصال السياسة عن المجتمع.إن اختزال المشهد في صراع بين الحكم المدني والحكم العسكري يغفل السؤال الأكثر جوهرية لماذا أصبحت الديمقراطية عاجزة عن الدفاع عن نفسها؟ ولماذا تجد الانقلابات، في أحيان كثيرة، قدرا من القبول الشعبي بدلا من الرفض المطلق؟ .لا يتعلق الأمر برغبة الشعوب في الحكم العسكري، بقدر ما يعكس فقدان الثقة في النخب التي احتكرت السلطة باسم الديمقراطية، بينما ظل المواطن يواجه الفقر، والبطالة، وتراجع الخدمات، واتساع الفساد. وهكذا تحولت الانتخابات، في نظر كثيرين، من وسيلة للتغيير إلى طقس سياسي يتكرر دون أن يغير بنية السلطة أو طبيعة الدولة.هذه المفارقة تذكر بما طرحه صموئيل هنتنغتون، الذي رأى أن الاستقرار السياسي لا ينتج عن توسيع المشاركة السياسية وحدها، بل عن قوة المؤسسات القادرة على تنظيمها. فحين تتوسع المشاركة في ظل مؤسسات ضعيفة، تصبح الدولة أكثر عرضة للاضطراب والانقلابات. وما شهدته غرب إفريقيا خلال العقود الأخيرة يجسد هذه الفكرة بوضوح؛ إذ توسعت الانتخابات، وتعددت الأحزاب، وتكررت عمليات الاقتراع، لكن مؤسسات الدولة بقيت عاجزة عن فرض سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وإدارة التنوع الاجتماعي، وتحقيق التنمية.
فالجيش لا يدخل السياسة لأنه يرفض الديمقراطية من حيث المبدأ، بل لأنه يجد فراغا سياسيا ومؤسسيا يسمح له بالتدخل. وعندما تصبح الدولة غير قادرة على احتواء أزماتها، يتحول العسكر من مؤسسة أمنية إلى فاعل سياسي، مستندا إلى انهيار الثقة أكثر من استناده إلى القوة العسكرية.ويتقاطع هذا الواقع مع رؤية فرانسيس فوكوياما، الذي يميز بين وجود الدولة وفاعلية الدولة. فوجود دستور، وبرلمان، وانتخابات، لا يعني بالضرورة وجود دولة حديثة. الدولة الحقيقية هي التي تمتلك إدارة عامة كفؤة، وقضاء مستقلا، ومؤسسات تعمل بمعزل عن الأشخاص. أما عندما تصبح الإدارة رهينة الولاءات، وتغيب الكفاءة، وتضعف المحاسبة، فإن الديمقراطية تتحول إلى واجهة شكلية تخفي هشاشة البنية السياسية.ولهذا لم يكن فشل بعض الديمقراطيات في غرب إفريقيا ناتجا عن الانتخابات، بل عن غياب الدولة القادرة على حماية نتائجها. فالاقتراع يمنح السلطة شرعية قانونية، لكنه لا يمنحها تلقائيا شرعية الأداء. وهذه الأخيرة لا تتحقق إلا عندما يشعر المواطن بأن الدولة تحمي حقوقه وتدير موارده بعدالة.و تكتسب أفكار ماكس فيبر أهمية خاصة. فقد عرف الدولة بأنها المؤسسة التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف، لكن هذا الاحتكار لا يقوم على القوة وحدها، بل على الشرعية. فالسلطة التي تعجز عن إنتاج شرعية قائمة على القانون والإنجاز، تضطر إلى الاعتماد على أدوات الإكراه، بينما يزداد استعداد المجتمع للبحث عن بدائل، حتى وإن جاءت خارج الأطر الدستورية.غير أن جذور الأزمة أقدم من ذلك كله. ففرانتز فانون كان يرى أن الاستقلال السياسي لا يعني التحرر من البنية الاستعمارية إذا بقيت مؤسسات الدولة تؤدي الوظيفة ذاتها. فالعديد من الدول الإفريقية ورثت حدودا رسمها الاستعمار، وإدارات صممت للسيطرة على السكان، واقتصادات مرتبطة بالخارج. وبعد الاستقلال، انتقلت هذه البنية إلى النخب الوطنية، التي غيرت الوجوه لكنها لم تغير منطق الحكم.لذلك، فإن الصراع السياسي في غرب إفريقيا لا يدور فقط حول من يحكم، بل حول طبيعة الدولة نفسها. فالدولة التي كان يفترض أن تكون إطارا للمواطنة تحولت، في كثير من الحالات، إلى أداة لتوزيع الامتيازات بين النخب، بينما بقي الانتماء القبلي والإثني أكثر تأثيرا من الانتماء الوطني. ومع غياب مشروع جامع، أصبحت الانتخابات مناسبة لإعادة توزيع النفوذ، لا لإعادة بناء الدولة.ولا يمكن فصل هذه التحولات عن البيئة الدولية. فالتراجع النسبي للنفوذ الفرنسي، وصعود قوى مثل روسيا والصين وتركيا، أعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة، لكنه لم يغير جوهر الأزمة. فالمشكلة ليست في هوية الشريك الخارجي، بل في هشاشة الدولة التي تجعل قرارها السياسي والاقتصادي عرضة للتأثير الخارجي. فالدول القوية تفاوض القوى الكبرى، أما الدول الضعيفة فتتحول إلى ساحات تنافس بينها.كما أن المؤسسات الإقليمية، وعلى رأسها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، واجهت انتقادات متزايدة لأنها تعاملت بحزم مع الانقلابات، بينما بدت أقل صرامة تجاه التعديلات الدستورية التي كرست بقاء بعض الرؤساء في السلطة، أو تجاه انتهاكات الحريات وتآكل استقلال القضاء. وهذا التفاوت أضعف ثقة كثير من المواطنين في الخطاب الإقليمي المدافع عن الديمقراطية.لكن من الخطأ الاعتقاد بأن الانقلاب يقدم بديلا حقيقيا. فالتجارب الإفريقية تؤكد أن المؤسسة العسكرية قادرة على إسقاط نظام سياسي، لكنها لا تستطيع، بمفردها، بناء دولة حديثة. فإدارة الاقتصاد، وإصلاح التعليم، وتعزيز استقلال القضاء، وبناء مؤسسات مستدامة، ليست مهاما تنجزها القوة العسكرية، بل مشروع سياسي طويل يقوم على المعرفة، والمؤسسات، والمساءلة.
إن ما تعيشه غرب إفريقيا اليوم ليس أزمة انتقال ديمقراطي، بل أزمة تأسيس للدولة. أزمة تكشف أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فحسب، وأن الشرعية لا تكتسب من النصوص الدستورية وحدها، بل من قدرة الدولة على تحقيق الأمن، والعدالة، والتنمية، وحماية كرامة الإنسان.ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة: هل تستطيع النخب السياسية تجاوز منطق الصراع على السلطة إلى منطق بناء الدولة؟ لأن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار عندما تتغير الحكومات، بل عندما تفقد مؤسساتها قدرتها على إنتاج الثقة. وعندما تصبح السلطة غاية في ذاتها، تتحول الديمقراطية إلى شكل بلا مضمون، والانقلاب إلى عرض متكرر لمرض لم يُعالج من جذوره.إن مستقبل غرب إفريقيا لن يتحدد بعدد الانتخابات التي تجرى، ولا بعدد الانقلابات التي تُدان، بل بقدرة المجتمعات على تأسيس دولة يكون القانون فيها أعلى من الأشخاص، والمؤسسات أقوى من النخب، والمواطنة أوسع من القبيلة، والشرعية نابعة من الإنجاز لا من احتكار السلطة. عندها فقط، لن يكون السؤال من يحكم، بل كيف تُحكم الدولة، ولصالح من.
#زكريا_نمر




