حين يصبح المال لغة للقيم

بواسطة yahya


ليست أخطر آثار الفساد أنه يسرق المال العام، بل أنه يسرق المعايير التي يُقاس بها الإنسان. فالمجتمعات لا تنهار حين يقل المال، وإنما حين تختلط معاني النجاح، ويصبح السؤال: من أين أتى المال؟ سؤالًا بلا قيمة، بينما يصبح السؤال الوحيد: كم يملك صاحبه؟
إن المال حين يولد من العمل الشريف يحمل معه قيمة الجهد والصبر والإبداع، أما حين يولد من الفساد فإنه يحمل رسالة مختلفة؛ رسالة تقول إن الطريق المستقيم طويل، بينما الطرق الملتوية أقصر وأكثر بريقًا. وعندما تتكرر هذه الرسالة أمام الأجيال، تبدأ القيم القديمة في التراجع، لا لأنها خاطئة، بل لأنها تبدو أقل قدرة على المنافسة.
وهنا يبدأ التغيير الحقيقي في نسيج المجتمع. فلا يعود التفاخر بالعلم أو الأخلاق أو النزاهة، بل بالمظاهر الباذخة، والإنفاق الاستعراضي، واللهاث خلف صورة الثراء، حتى وإن كانت الحقيقة مختلفة. فينشأ شعور بالظلم لدى من يعيش بعرق جبينه، لأنه يرى أن ميزان العدالة لم يعد يقيس الجهد، بل يقيس القدرة على الوصول إلى المال بأي وسيلة.
ومع مرور الزمن، تتسع الفجوة النفسية بين الناس. فبدل أن يكون المجتمع متماسكًا بقيم مشتركة، يصبح منقسمًا بين من يملك ومن لا يملك، وبين من يرى النجاح ثمرةً للكفاءة، ومن يراه ثمرةً للنفوذ أو الحظ أو الفساد. وعندما تفقد الثقة في عدالة المجتمع، تصبح الأخلاق عند البعض عبئًا بدل أن تكون مصدر فخر.
والأخطر من ذلك أن الأجيال الجديدة قد تنمو وهي تظن أن القيمة الحقيقية للإنسان تُقاس بما يملكه لا بما يقدمه، وأن الاحترام يُشترى، وأن المكانة الاجتماعية تُصنع بالإنفاق لا بالعطاء. وهنا لا تتغير الجيوب فقط، بل تتغير العقول والضمائر.
لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن المجتمعات لا تُبنى بالمال وحده، ولا تُهزم بالفساد وحده. فكل أمة استعادت عافيتها حين أعادت الاعتبار لقيم العدالة، وربطت النجاح بالاستحقاق، والثراء بالإنتاج، والمكانة بالأمانة قبل الثروة.
إن معركة أي مجتمع ليست مع المال، فالمال أداة محايدة، وإنما مع الفلسفة التي تحكمه. فإذا صار المال سيدًا للقيم، ضاعت القيم. أما إذا بقي خادمًا لها، بقي المجتمع قادرًا على النهوض مهما اشتدت أزماته.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجتمع على نفسه: هل نريد أبناءً يحلمون بأن يكونوا أغنياء فقط، أم أبناءً يحلمون بأن يكونوا صالحين ثم أغنياء بعملهم؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال يتحدد شكل المستقبل، وتُكتب ملامح الوطن الذي نورثه للأجيال القادمة.
مجدي شاهين