.
تقترب الذكرى الثانية لتنصيب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، فتتجه الأنظار، على نحو طبيعي، إلى ما تحقق من منجزات مادية وما أُنجز من مشاريع تنموية . غير أن القراءة التي تكتفي بإحصاء الأرقام تظل قراءة قاصرة؛ لأن الأرقام تصف ما حدث، لكنها لا تفسر لماذا حدث، ولا تكشف الفكرة التي منحته معناه واتجاهه.
فالسياسة ليست مجرد إدارة للممكن، وإنما هي، في جوهرها، تعبير عن رؤية للإنسان والدولة والتاريخ. وحين تمتلك القيادة رؤية واضحة، فإن القرارات، مهما اختلفت مجالاتها، تبدو كأنها فصول متعددة لكتاب واحد.
ولعل ما يميز تجربة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هو أنها لم تنطلق من سؤال: ماذا نبني؟ بقدر ما انطلقت من سؤال أكثر عمقًا: أي دولة نريد أن نبني؟ فالفارق بين السؤالين هو الفارق بين من ينشئ المرافق، ومن يؤسس الحضارة. الأول يصنع الوقائع، أما الثاني فيصوغ المفاهيم التي تمنح الوقائع معناها واستمرارها.
ومن هذه الرؤية وُلد مشروع المدرسة الجمهورية، لا باعتباره إصلاحًا لقطاع التعليم فحسب، بل باعتباره مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي الوطني. فالدولة التي تعجز عن توحيد وجدان أبنائها داخل المدرسة لا تستطيع بناء مشروع حضاري قابل للإستمرار
ومن الرؤية نفسها انبثق مفهوم الدولة الكافلة من خلال "التآزر وبرنامج الشيلة والتكافل"، حيث لم تعد العدالة الاجتماعية مجرد خطاب أخلاقي، بل أصبحت فلسفة للحكم، قوامها أن الدولة لا تكتفي بحماية الحدود، وإنما تحمي أيضًا كرامة الإنسان من الفقر والهشاشة والإقصاء. فالمجتمع المتماسك لا يُبنى بالإحسان، وإنما يُبنى بالحقوق التي تكفلها الدولة لجميع مواطنيها.
وفي السياق ذاته، يبرز مفهوم أبوّة الدولة للمجتمع، لا بمعنى الوصاية على المواطنين، وإنما بمعنى حضور الدولة باعتبارهاالراعي و المرجعية العليا التي يتساوى أمامها الجميع. فحين تكون الدولة قوية بمؤسساتها وعادلة بقوانينها، تتراجع الولاءات الضيقة تلقائيًا، لأن المواطن يجد في الدولة ما كان يبحث عنه في غيرها.
ولهذا لم يكن الحديث المتكرر عن المواطنة مجرد شعار سياسي، بل كان تعبيرًا عن فلسفة تسعى إلى نقل المجتمع من منطق الانتماءات الأولية إلى منطق الانتماء الوطني الجامع؛ حيث لا تكون القبيلة ولا الجهة ولا الشريحة مصدرًا للحق، بل يصبح الحق مستمدًا من صفة واحدة هي صفة المواطن. إنها محاولة لإعادة ترتيب سلم الانتماءات، بحيث يسمو الوطن فوق كل انتماء، دون أن يلغي خصوصيات المجتمع أو ينكر تنوعه وهذا ما دعا إليه فخامته فى خطاب وأدان وچول والحوضين وأوضح فى لقائه الأخير مع الصحافة.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم الانفتاح على الآخر ورفض الأطر الضيقة. فالرؤية التي تؤمن بالمواطنة لا يمكن أن تؤمن بالإقصاء، والدولة التي تريد أن تجمع أبناءها لا تستطيع أن تؤسس مشروعها على الانغلاق. إن الاختلاف، في هذه الفلسفة، ليس خطرًا ينبغي مقاومته، بل طاقة ينبغي توجيهها لخدمة الصالح العام.
إن القاسم المشترك بين هذه المشاريع جميعًا هو أنها لا تتعامل مع الدولة باعتبارها جهازًا للإدارة، وإنما باعتبارها فكرة أخلاقية؛ فكرة تجعل القانون فوق العصبية، والمواطنة فوق الانتماءات الخاصة، والاستحقاق فوق الامتياز، والعدالة فوق موازين القوة. وهذه هي الفلسفة التي تمنح السياسات اليومية وحدتها، وتجعل من القرارات المتفرقة أجزاءً من مشروع وطني متكامل.
إن إعادة تأسيس الدولة ليست حدثًا إداريًا يقع في يوم واحد، بل هي مسار طويل يعيد تشكيل الوعي قبل أن يعيد تشكيل المؤسسات. وما تشهده البلاد اليوم يمكن قراءته، في هذا الإطار، بوصفه محاولة للانتقال من دولة تتعايش مع البنى التقليدية إلى دولة تجعل المواطنة هي المرجعية العليا، ومن مجتمع تُوزَّع فيه الفرص وفق اعتبارات الانتماء، إلى مجتمع يكون فيه الانتماء للوطن هو المعيار الجامع.
وحين يُكتب تاريخ هذه المرحلة، فقد لا تكون أهم صفحاته تلك التي تتحدث عن المشاريع التي أُنجزت، وإنما تلك التي تتحدث عن الفكرة التي أرادت أن تجعل من الدولة وطنًا للجميع، ومن المواطن القيمة العليا في معادلة الحكم. فالمشاريع تبني الحاضر، أما الأفكار فتبني المستقبل، والدول العظيمة لا يخلدها ما شيدته من عمران، بل ما رسخته من فلسفة، وما غرسته في وجدان شعبها من معنى للدولة ومعنى للمواطنة.
وانطلاقا مما سبق أردت أن أركز على الجانب الأهم من برنامج فخامة الرأيس المتعلق بفلسفة الحكم وإعادة التأسيس فى حين يركز الجميع على الجانب التنموي والعمراني
محمدسالم وذان
..حين تستعيد الدولة فكرتھا




