من العسكر إلى القبيلة... كيف أعادت النخب.إنتاج السلطة في موريتانيا؟

بواسطة yahya

 

كلما اقتربت موريتانيا من استحقاق انتخابي، عاد الحديث عن الديمقراطية والإصلاح والتعددية السياسية، وكأن المشكلة تكمن في موعد الاقتراع أو عدد الأحزاب. غير أن جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير. فالدولة التي تمتلك دستورا، وبرلمانا، وأحزابا، وانتخابات دورية، لا تزال تواجه صعوبة في بناء نظام سياسي تكون فيه المؤسسات هي مصدر السلطة الحقيقي، لا شبكات النفوذ التي تراكمت عبر التاريخ.بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، ما زالت موريتانيا تعيش انتقالا سياسيا لم يكتمل. تعاقبت الحكومات، وتغيرت أسماء الرؤساء، لكن القواعد التي تنتج السلطة بقيت إلى حد كبير ثابتة، حيث يتداخل النفوذ العسكري مع الاعتبارات القبلية والاقتصادية، فتتشكل منظومة سياسية تعيد إنتاج نفسها مهما تغيرت الوجوه.

يمثل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني السلطة الحالية، بينما يظل الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حاضرا في المشهد السياسي بسبب إرث سنوات حكمه والقضايا القضائية المرتبطة بها. وفي المقابل، يبرز بيرام الداه اعبيد كأحد أبرز وجوه المعارضة، خاصة في ملفات العبودية والتمييز الاجتماعي، إلى جانب حمادي ولد سيدي المختار رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، فضلا عن أحزاب وشخصيات أخرى تسعى إلى منافسة السلطة.لكن قراءة المشهد تكشف أن الصراع السياسي لا يدور بين مشروعين متعارضين لبناء الدولة، بقدر ما يدور بين نخب تتنافس على إدارة الدولة. فالسلطة ترفع شعار الاستقرار، والمعارضة ترفع شعار الإصلاح، بينما تغيب في كثير من الأحيان الرؤية الاستراتيجية المتعلقة بإصلاح التعليم، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتطوير الإدارة، وبناء مؤسسات مستقلة قادرة على الصمود أمام تغير الحكومات.ولا يكتمل فهم المشهد السياسي الموريتاني دون التوقف عند طبيعة النخبة التي تدير هذا الصراع. فحزب الإنصاف يقدم نفسه باعتباره حزب الاستقرار والإصلاح التدريجي، ويركز على الأمن والتنمية وجذب الاستثمار، لكن معارضيه يرون أنه يعيد إنتاج النخبة التقليدية نفسها، وأن أدوات السلطة لم تتغير بما يسمح بقيام منافسة سياسية متكافئة.

أما حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، فيطرح نفسه باعتباره بديلا إصلاحيا بمرجعية إسلامية، ويتحدث عن مكافحة الفساد وتعزيز الحريات، إلا أنه يواجه بدوره تساؤلات حول قدرته على تقديم مشروع وطني يتجاوز الانقسام الأيديولوجي، ويستوعب التعقيدات الاجتماعية والقبلية التي تميز المجتمع الموريتاني. فرض بيرام الداه اعبيد وحركة إيرا قضية العبودية وآثارها الاجتماعية في قلب النقاش السياسي، ونجحا في تحويلها إلى ملف لا يمكن تجاوزه. وفي الوقت نفسه، يرى منتقدوهما أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى مشروع وطني شامل يحافظ على العدالة الاجتماعية والتماسك الوطني، حتى لا يتحول الصراع الحقوقي إلى مصدر جديد للاستقطاب السياسي. ورغم اختلاف خطاب هذه القوى، فإنها تلتقي عند نقطة واحدة؛ فجميعها تعلن رفض القبلية في الخطاب السياسي، لكنها تلجأ إليها بدرجات متفاوتة عندما تبدأ المعارك الانتخابية. فالزعامات القبلية ما تزال تشكل جزءا من حسابات المرشحين، والتحالفات كثيرا ما تبنى على موازين النفوذ الاجتماعي أكثر من بنائها على البرامج السياسية.وتتجلى إحدى الإشكاليات المركزية في موريتانيا. فالقبيلة لم تعد مجرد إطار اجتماعي، بل أصبحت مؤسسة سياسية غير رسمية تنافس مؤسسات الدولة. وهي ليست سبب الأزمة وحدها، بل نتيجة أيضا لضعف الدولة في بناء مؤسسات تمنح المواطن الثقة بأن حقوقه يحميها القانون لا الانتماء القبلي. لذلك تستمر القبيلة في أداء وظائف كان يفترض أن تقوم بها الدولة الحديثة.ولا يقتصر النفوذ على القبائل وحدها، بل يمتد إلى رجال الأعمال الذين أصبحوا جزءا من معادلة السلطة. فالمال السياسي بات يلعب دورا متزايدا في تشكيل التحالفات والتمويل الانتخابي، وهو ما يثير أسئلة حول استقلال القرار السياسي، وحول قدرة الأحزاب محدودة الموارد على المنافسة في بيئة تتداخل فيها الثروة مع النفوذ الإداري والاجتماعي.

اقتصاديا، تمتلك موريتانيا ثروات ضخمة من الحديد والذهب والنحاس والثروة السمكية والغاز الطبيعي، لكن هذه الإمكانات لم تتحول بعد إلى تنمية يشعر بها المواطن في مختلف المناطق. ولا يبدو أن المشكلة في حجم الموارد، بل في نمط إدارتها، وفي غياب رؤية اقتصادية تجعل الثروة وسيلة لبناء اقتصاد منتج، لا مجرد مصدر للإيرادات.كما تحول ملف الفساد إلى أحد أبرز محاور الصراع السياسي. فمحاكمة محمد ولد عبد العزيز اعتبرتها السلطة دليلا على المساءلة، بينما رأى أنصاره أنها ذات أبعاد سياسية. غير أن بناء الثقة في القضاء لا يتحقق عبر قضية واحدة، وإنما عبر ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون بحيث يصبح تطبيق العدالة مستقلا عن طبيعة الموقع السياسي أو النفوذ الاجتماعي.ويظل ملف العبودية وآثارها الاجتماعية من أكثر القضايا تعقيدا، لأن سن القوانين لا يكفي وحده لمعالجة آثار تراكمت عبر عقود طويلة. فالمطلوب هو سياسات تعليمية واقتصادية واجتماعية تعزز تكافؤ الفرص، وتبني مواطنة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات.

إن المأزق الحقيقي للنخبة السياسية، في السلطة والمعارضة معا، أنها ما زالت تدير المنافسة على الحكم أكثر مما تدير نقاشا حول مستقبل الدولة. فالقضايا المتعلقة بالتعليم، والبحث العلمي، والإدارة، والإنتاج، والإصلاح المؤسسي، لا تحظى بالحضور نفسه الذي تحظى به التحالفات الانتخابية والصراعات السياسية اليومية.ولا يختلف المال السياسي كثيرا عن القبيلة في تأثيره. فكلما ازدادت العلاقة بين رجال الأعمال ومراكز القرار، تقلصت قدرة الأحزاب الصغيرة والمستقلين على المنافسة. وعندما يصبح تمويل السياسة مرتبطا بمصالح اقتصادية، يتحول البرلمان تدريجيا من فضاء للتشريع والرقابة إلى ساحة تعكس موازين النفوذ داخل المجتمع.ومن أكثر الأسئلة التي تحتاج إلى نقاش في موريتانيا علاقة الثروة بالسلطة. فالدولة تمتلك الحديد والذهب والنحاس والثروة السمكية والغاز الطبيعي، لكن المواطن لا يشعر دائما بأن هذه الموارد انعكست على جودة التعليم، أو الرعاية الصحية، أو فرص العمل، أو التنمية المحلية. وهنا يصبح النقاش حول إدارة الموارد أكثر أهمية من الحديث عن حجم الموارد نفسها.

إن الدولة لا تقاس بما تملكه تحت الأرض، بل بما تستطيع أن تبنيه فوقها. والثروة التي لا تتحول إلى جامعات قوية، ومستشفيات حديثة، وقضاء مستقل، واقتصاد منتج، تظل مجرد أرقام في التقارير الاقتصادية، لا عناصر حقيقية لبناء الدولة.إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه النخبة السياسية الموريتانية ليس: من يحكم؟ بل: أي دولة نريد أن نبني؟ لأن الصراع على السلطة يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، بينما يظل مشروع الدولة مؤجلا. والدول لا تتقدم عندما تتنافس النخب على المناصب، وإنما عندما تتنافس على إنتاج الأفكار، وإصلاح المؤسسات، وتوسيع الحريات، وإرساء سيادة القانون.ولهذا فإن مستقبل موريتانيا لن يتحدد بعدد الأحزاب أو بتنظيم انتخابات دورية، وإنما بقدرة النخب على تجاوز منطق القبيلة، وتحييد النفوذ العسكري عن المجال السياسي، وبناء مؤسسات مستقلة، وإطلاق مشروع وطني يجعل المواطنة أساس الانتماء، والكفاءة معيار تولي المسؤولية، والقانون المرجعية العليا للجميع. أما إذا استمرت أدوات إدارة السلطة على حالها، فإن تغير الحكومات لن يعني بالضرورة تغير طبيعة النظام، وسيظل الإصلاح مؤجلا، بينما تستمر الدولة في الدوران داخل الحلقة نفسها التي صاحبتها منذ عقود.

#زكريا_نمر