تناقلت وكالات الأنباء اليوم ما قاله رئيس بوركنافاسو النقيب ابراهيم اتراوري من أن العرب استعبدوا الأفارقة منذ الف عام و هي إحالة منه الى أن الاسلام دين عبودية واستعباد !!..
ولأن هذه مغالطة و فرية حاقدة تستدعي المناقشة فإننا نقول :
إن تصوير الإسلام على أنه هو الذي استعبد الأفارقة قلبٌ للتاريخ.
فالإسلام وجد إفريقيا ، - كما وجد جزيرة العرب وفارس والروم - تعيش أنماطًا متعددة من الوثنية والطبقية والاسترقاق والحروب القبلية. فجاء برسالة واحدة حررت العربي من عبادة الحجر، وحررت الإفريقي من عبادة الشجر، وحررت الفارسي من عبادة النار، وجعلت الجميع عبادًا لله وحده.
ولم يكن الرق اختراعًا إسلاميًا، ولا ظاهرةً إفريقيةً خالصة، وإنما كان نظامًا إنسانيًا عالميًا، عرفته الأمم جميعًا، وتوارثته الحضارات الكبرى شرقًا وغربًا.
وكانت المجتمعات الإفريقية نفسها تمارس صورًا متعددة من الاسترقاق قبل وصول الإسلام إليها، كما كانت تمارسه الإمبراطوريات الرومانية والفارسية وغيرها.
ومن ثم فإن نسبة الرق إلى الإسلام ليست سوى مصادرةٍ على التاريخ، وتغافلٍ عن السياق الحضاري الذي نزل فيه الوحي.
فالاسلام أغلق منابع كثيرة كانت تفضي إليه، ووسع أبواب العتق حتى جعله من أفضل القربات، وربطه بالكفارات، وحث عليه ترغيبًا، وأقام العلاقة بين السيد والمملوك على أخوة الدين والكرامة الإنسانية وقد كنا قبل أشهر اعددنا دراسة عن العبودية فى السياق القرآني أثبتنا من خلالها أنه يجب التفريق بين الموقف المبدئ للاسلام من الاستعباد و مواقف بعض المتفهة عبر الزمان والمكان ..
ثم إن السؤال الذي يغفله الكثيرون : ماذا صنع الإسلام بالأفارقة بعد أن دخلوا فيه؟ هل أبقاهم طبقةً دنيا؟ أم فتح لهم أبواب الأمة جميعًا؟
إن صفحات التاريخ الإسلامي تجيب بوضوح؛ فقد خرج من إفريقيا ملوك وسلاطين، وقضاة ومفتون، وحفاظ ومحدثون، وفقهاء ومفسرون، ولم يكن لون البشرة يومًا مانعًا من إمامة الصلاة، ولا من القضاء، ولا من الفتوى، ولا من قيادة الجيوش، لأن الإسلام لا يعرف العنصرية ، وإنما يعرف ميزانًا واحدًا: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن يُقال: إذا كانت بعض صور الرق قد بقيت في بعض المجتمعات الإسلامية، فإنما كانت بقايا نظام إنساني قديم، أو لفهم سقيم لقيم الدين لا ثمرةً لتشريع الإسلام.
ولهذا فإن الحديث عن الإسلام في إفريقيا ينبغي أن يبدأ من السؤال الصحيح: كيف استطاع الاسلام أن يجعل من إفريقيا أحد أعظم مراكز العلم الإسلامي، وأن تنشئ فيها حضارةً امتدت قرونًا، كان العلماء فيها يُرحل إليهم، والمصنفات تُنسخ في مدارسها، والملوك يتنافسون في بناء المساجد ورعاية العلماء؟
تلك هي الحقيقة التي لا يغيّرها خطأ أفراد، ولا تشوهها دعايات أيديولوجية، لأن الحضارات تُقاس بمبادئها ومسارها العام، لا بانحرافات بعض المنتسبين إليها..
انواكشوط 18يوليو 2026
الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام
الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وأفريقيا




