وقفة تأملية

بواسطة yahya

 

لما كنتُ طالبًا في مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، خلال دراستي للدكتوراه الثانية سنة 2013، اخترت موضوعًا بعنوان: “استرقاق السود بين الشريعة والتاريخ”.

قدّمت تقريرًا مطولًا خلص إلى أن استرقاق السود لم يكن حكرًا على الغرب، بل مارسه العرب قبل الأوروبيين، وتناولتُ بالتفصيل صور استعباد السود في بعض المراحل التاريخية، ومنها ما وقع في عصور إسلامية، خاصة في عصر المماليك ، مع الإشارة إلى نقاشات فقهية قديمة حول جواز استرقاق  السود.

رفض مدير المؤسسة الموضوع ولم يذكر سببًا واضحًا. راجعته مرارًا دون جدوى. ثم استدعاني مشرفي يومًا إلى مقهى وقال لي: “هذا موضوع حساس جدًا، ويمكنك أن تبحث فيه بعد التخرج، من الصعب قبوله في مؤسسة ملكية.” عندها فهمت سبب الرفض.

ما أريد قوله هو أن الاسترقاق حقيقة تاريخية عالمية، وليس جريمة ارتكبها شعب واحد دون غيره. لقد استعبد السود بعضهم بعضًا، كما استعبد العرب غيرهم، واستعبد الأوروبيون غيرهم، واستعبد الأفارقة بعضهم بعضًا في مناطق مختلفة. وما زالت آثار ذلك باقية في بعض المجتمعات إلى اليوم. ففي فوتا ما زالت بعض الأسر تُعرف تاريخيًا بأنها من أصول رقيقة، وفي غيديماغا بموريتانيا ما زالت لدى بعض السوننكيين بقايا تصنيفات اجتماعية مرتبطة بذلك الماضي.

المشكلة أن بعض الباحثين يخلطون بين التاريخ والدين، فيربطون كل ما فعله العرب بالإسلام. وهذه مغالطة منهجية. فالعبودية كانت موجودة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وكانت موجودة في معظم حضارات العالم. والإسلام لم يلغها بنص قاطع كما فعل مع الخمر أو الزنا، لكنه ضيّق الخناق ووسّع أبواب العتق دون أن يصدر نصًا يحرمها تحريمًا نهائيًا. وهذه قراءة تاريخية لا طعن فيها بالدين.

كما أن من الحقائق التاريخية أن بعض العرب كانوا يخطفون أطفالًا سودًا، أو يأخذونهم من أسرهم بحجة التعليم ثم لا يعودون بهم. وهذه وقائع موثقة لا يجوز إنكارها لأنها لا توافق عواطفكم..

وعندما نقول إن العرب استعبدوا الأفارقة، فذلك ليس طعنًا في الإسلام، بل وصف لحدث تاريخي يجب أن يُدرس في سياقه. وعندما نقول إن الفلان استعبدوا بعض الماندينغ في غينيا، فهذه أيضًا حقيقة تاريخية يجب أن تُفهم في سياقها، لا أن تتحول إلى خطاب كراهية.

وكذلك شمال أفريقيا كانت أرضًا أمازيغية قبل الغزو العربي، ثم دخلها العرب، وحدثت تحولات سياسية وثقافية ولغوية كبيرة. هذه أيضًا حقيقة تاريخية لا ينبغي إنكارها ولا تقديسها، بل دراستها بعين الباحث لا بعين المتعصب.

نحن ندرس اليوم استعباد الأفارقة في الأمريكتين، ونتحدث عن إبادة السكان الأصليين بكل جرأة، فلماذا نخاف من دراسة استعباد العرب للأفارقة  بالقدر نفسه من الشجاعة والموضوعية؟

الأمة التي تخجل من ماضيها، ولا تملك الشجاعة لدراسة تاريخها كما وقع، ستظل أسيرة الروايات التي يكتبها الآخرون عنها. فالتاريخ لا يُصحَّح بالإنكار، وإنما يُصحَّح بالبحث العلمي والصدق والشجاعة.
د. محمد صالح جالو( ضيف الله )