ليست السياسة صراعًا على السلطة بقدر ما هي امتحان للعقل والأخلاق. فهي لا تكتسب شرفها من الغاية التي تسعى إليها، وإنما من الوسائل التي تبلغ بها تلك الغاية. لذلك كان الخطاب السياسي، في المجتمعات الحية، معيارًا لدرجة نضج النخبة، لا مجرد أداة لتبادل المواقف.
والسياسي لا يُعرف بما يثيره من ضجيج، بل بما ينتجه من معنى؛ ولا بما يوجهه من اتهامات، بل بما يقيمه من حجج. فالكلمة في المجال العام ليست صوتًا عابرًا، وإنما مسؤولية، لأنها تصوغ وعي المجتمع قبل أن تعبر عن رأي صاحبها.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون أولى علامات الإفلاس السياسي هي انهيار اللغة. فحين تعجز الفكرة عن الدفاع عن نفسها، تستدعي الغريزة؛ وحين يفتقر المنطق إلى البرهان، يبحث عن ملاذ في التجريح؛ وحين تنضب الحجة، تتكفل البذاءة بما عجز عنه العقل. وهنا لا يكون سقوط الأخلاق سببًا للأزمة، بل يصبح دليلًا عليها.
إن الخصومة السياسية لا تمنح أحدًا رخصة لمصادرة القيم. فالاختلاف لا يلغي الاحترام، والمنافسة لا تبيح الابتذال، والاحتكام إلى الجماهير لا يعني استثارة أسوأ ما فيها. ذلك أن السياسة التي تخسر أخلاقها، ولو ربحت معركة إعلامية، تكون قد خسرت مشروعيتها الأخلاقية.
ومن يظن أن ارتفاع الصوت يغني عن قوة الدليل، أو أن السخرية تعوض ضعف البرهان، يخلط بين التأثير والانفعال، وبين الإقناع والإثارة. فالأول يصنع رأيًا، والثاني يصنع ضجيجًا، وما أكثر الضجيج الذي يملأ الأسماع ولا يترك في العقول أثرًا.
إن البذاءة ليست شجاعة، كما أن التجريح ليس نقدًا. كلاهما اعتراف غير مباشر بأن صاحب الخطاب لم يعد يملك ما يضيفه إلى النقاش سوى الإساءة إلى الأشخاص بعد أن عجز عن مناقشة الأفكار. ولهذا كانت الشتيمة، في حقيقتها، آخر ما يلجأ إليه العقل المهزوم.
إن المجتمعات التي تتسامح مع انحدار الخطاب السياسي تفتح الباب لانحدار الوعي العام، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي الوعاء الذي تتشكل فيه القيم. فإذا فسد الوعاء، فسد ما يحتويه.
لهذا، فإن السؤال ليس: هل يجيد بعض السياسيين استخدام الألفاظ الجارحة؟ بل: هل يستحق من استبدل الحجة بالإهانة، والبرهان بالبذاءة، أن يبقى داخل التعريف النبيل للسياسة؟
السياسة، في معناها الرفيع، لا يسكنها إلا أصحاب العقول الكبيرة؛ أما حين تصبح الشتيمة برنامجًا، والتجريح خطابًا، والابتذال وسيلة، فإن الذي يغادر السياسة ليس الخصم، بل صاحب ذلك الخطاب نفسه، لأنه تخلى عن أول شروط العمل السياسي: احترام العقل، واحترام الإنسان، واحترام الكلمة.
محمدسالم الوذان




