بقلم: يحي حامد
لم يعد الخطاب السياسي في موريتانيا ساحة أفكار. أصبح حلبة شتائم.
ما كان بالأمس نقاشاً حول برامج وميزانيات ومشاريع، أصبح اليوم سباباً عنصرياً، واتهامات بالخيانة، وخطاب كراهية لا يُطاق.
لقد وصلنا إلى درجة من الانحطاط تجعل المواطن العادي ينفر من السياسة كلها.
1. من "البرامج" إلى "الأعراق"
بدل أن نسأل الوزير: أين المشروع؟ صرنا نسأل: من أي قبيلة أنت؟
بدل أن نناقش العمدة في ميزانية البلدية، صرنا نصنفه: "عربي" "زنكي" "بربري" "حرطاني".
النخبة السياسية والإعلامية والمدنية بدل أن تقود النقاش نحو الحلول، نزلت إلى القاع.
أصبحت "التفاهة" هي العنوان. والعنصرية هي الوقود.
2. مظاهر الانحطاط واضحة
خطاب الكراهية اليومي: تدوينات ومنشورات تسب شعباً كاملاً وتهدد بـ "الجلد" وتصف الناس بـ "أسوأ الكائنات".
تخوين الخصم: من ينتقدك ليس مختلفاً معك في الرأي، هو "عميل" و "خائن" و "مأجور".
تسطيح النقاش: بدل أرقام ودراسات، صرنا نتداول صور وفيديوهات سخرية وميمات. السياسة تحولت إلى "ترند".
تقديس الأشخاص وسب المؤسسات: لا أحد يناقش القانون. الكل يناقش الأشخاص. إما تمجيد أعمى أو شيطنة كاملة.
3. من المسؤول؟
الكل يتحمل المسؤولية:
السياسيون: الذين وجدوا أن شحن العرق أسهل من تقديم البرنامج.
الإعلام: الذي يبحث عن "البوز" في تصريح عنصري أكثر من بحثه عن خبر يخدم المواطن.
النخب المدنية: التي كان دورها تهدئة الخطاب، فإذا بها تشعل النار.
نحن: لأننا نضغط "لايك" و "مشاركة" على أسوأ ما نقرأ.
4. ما هي الكلفة؟
هذا الخطاب المنحط يكلفنا غالياً:
قتل الأمل: الشاب الذي يرى نخبته تسب بعضها لن يدخل السياسة.
تفتيت الوطن: عندما ننادي بعرقنا نقتل فكرة "المواطن الموريتاني".
هروب من المشاكل الحقيقية: الفقر والبطالة والفساد والصحة. ننشغل بالسب ونترك اللصوص يسرقون.
5. الحل: ميثاق شرف للخطاب
نحن لا نطالب بمصادرة الرأي. نطالب بالحد الأدنى من الاحترام:
تجريم التحريض: تطبيق القانون 031-2015 بصرامة على كل من يحرض على الكراهية والتمييز.
مسؤولية الإعلام: على المواقع والقنوات أن ترفض نشر أي خطاب عنصري أو سب.
تربية سياسية: تعليم أبنائنا أن الاختلاف لا يعني العداء.
قدوة من القمة: على الرئاسة والحكومة والبرلمانيين أن يكونوا أول من يلتزم بخطاب راقي.
خاتمة
السياسة في الأصل هي فن إدارة الخلاف.
أما ما نراه اليوم فهو فن إدارة الكراهية.
إذا استمرينا هكذا، سنصل لمرحلة لا يستطيع فيها أبناء الوطن الواحد الجلوس على طاولة واحدة.
موريتانيا أكبر من تغريدة تافهة، وأكبر من خطاب عنصري، وأكبر من نخبة اختارت التفاهة.
فلنرتقِ بخطابنا... قبل أن نفقد وطننا.




