المجتمع المدني في موريتانيا:بين خطاب ''الشراكة'' وواقع 'التھميش''

بواسطة yahya


بقلم: يحي حامد  
 

ترفع الحكومة في كل مناسبة شعار "الشراكة مع المجتمع المدني". ويؤكد أغلب المنتخبين من عمد وبرلمانيين على "الدور المحوري" للجمعيات في التنمية. 
لكن عند النزول إلى الميدان، يصطدم الفاعلون المدنيون بواقع مختلف تماما: واقع من التعامل غير المناسب، والبيروقراطية، والوصاية.

أولا: مؤسسات الدولة.. أبواب موصدة
التعامل مع أغلب الوزارات والإدارات العمومية لا يزال قائما على منطقين:

التجاهل: مذكرات ودراسات ومقترحات ترسلها جمعيات تعمل في الصحة والتعليم والبيئة، ولا تتلقى حتى رد "تم الاستلام".
البيروقراطية القاتلة: ملف دعم لمشروع بسيط يبقى أشهرا ينتقل بين 10 مكاتب، ليعود في الأخير بسبب "نقص وثيقة".
الانتقائية: الدعم لا يوزع بمعيار الأثر الميداني، بل بمعيار "القرب". جمعيات تشتغل بصمت لسنوات تبقى مهمشة، بينما أخرى لا تظهر إلا في المناسبات الرسمية.

الدولة بهذا الشكل تريد من المجتمع المدني أن يكون "ديكورا" في التقارير، لا "شريكا" في القرار.

ثانيا: المنتخبون.. من الاستدعاء إلى الوصاية
كان من المفترض أن يكون العمدة والبرلماني هم حلقة الوصل بين المواطن والدولة. لكن علاقة أغلبهم بالمجتمع المدني محصورة في:

الاستدعاء الموسمي: "تعالوا أطروا لي نشاطا وحشدوا لي الناس" وقت الحملة. وبعد الانتخابات يختفي التواصل.
منطق الوصاية: لا يمكن تنظيم أي نشاط في البلدية دون "إذن" العمدة، حتى لو كان حملة تشجير.
تخوين المطالب: أول ما تسأل جمعية عن ميزانية أو مشروع، يأتي الرد الجاهز: "أنتم تبحثون عن السياسة".

قليلون هم المنتخبون الذين يفتحون أبوابهم، ويناقشون الميزانيات، ويدعمون المبادرات بلا مقابل انتخابي.

ثالثا: ما هي الكلفة؟
هذا التعامل يخسر الوطن 3 أشياء أساسية:
الخبرة الميدانية: المجتمع المدني يعرف مشاكل الحي والقرية قبل أي مسؤول.
الرقابة المجتمعية: غيابها يفتح الباب أمام سوء التسيير.
ثقة المواطن: عندما لا يجد المواطن من يسمعه، يلجأ للاحتجاج أو ينسحب.

رابعا: المطلوب.. من "الاستدعاء" إلى "الشراكة الحقيقية"
نحن لا نطالب بامتيازات. نطالب باحترام بسيط:
التشاور الإلزامي: أي قانون أو مشروع تنموي كبير يُعرض على الفاعلين المدنيين قبل إقراره.
شفافية الدعم: معايير واضحة ومعلنة لتوزيع الدعم العمومي بعيدا عن المحسوبية.
تكوين المنتخبين: برامج للعمد والبرلمانيين حول مفهوم "الحوكمة التشاركية".
حماية الاستقلالية: تطبيق قانون الجمعيات بما يضمن حرية العمل ويمنع المضايقات.

خاتمة
الدولة القوية هي التي تحترم شركاءها. والديمقراطية لا تكتمل بالبرلمان وحده.
يكفي أن نستدعي المجتمع المدني في "اليوم العالمي للتطوع" من أجل صورة. 
نريد أبوابا مفتوحة، وميزانيات واضحة، وحوارا متكافئا.

فبدون مجتمع مدني حر ومحترم، سنظل ندور في نفس الحلقة: قرارات من فوق، وإحباط من تحت.