ليست أزمة هذا الجيل أنه لا يقرأ، بل إنه يقرأ داخل سجن زمني ضيق. يظن أن العالم بدأ مع آخر تحديث للهاتف، وأن الأفكار تولد مع كل كتاب جديد، وأن الحقيقة تتغير كلما تغيرت خوارزميات المنصات. هكذا أصبح الجديد قيمة في ذاته، بينما صار القديم تهمة تحتاج إلى تبرير.هذه ليست أزمة قراءة، بل أزمة حضارية. فالحضارات لا تنهار عندما تتوقف عن إنتاج الكتب، وإنما عندما تنقطع عن ذاكرتها. والأمم التي تفقد ذاكرتها الفكرية لا تبني مستقبلا، بل تكرر ماضيها وهي تتوهم أنها تصنع التاريخ.
لقد نجح السوق الثقافي في تحويل المعرفة إلى سلعة تخضع لقانون العرض والطلب. لم يعد السؤال: ما الفكرة التي تستحق أن تعيش؟ بل: ما الكتاب القادر على البيع؟ ولم يعد الكاتب مطالبا بأن يضيف إلى العقل الإنساني، بل أن ينافس على قوائم الأكثر مبيعا، وأن يكتب بلغة ترضي الخوارزميات قبل أن ترضي الضمير الفكري.ولأن السوق لا يحب الصبر، فقد أعلن حربا صامتة على الكتب الكبيرة. استبدل النص العميق بالملخص، والفكرة بالاقتباس، والقراءة بالمشاهدة، حتى أصبح كثيرون يظنون أن مشاهدة شخص يتحدث عن كتاب تعادل قراءة الكتاب نفسه.
و تبدأ الكارثة.فالإنسان الذي لا يقرأ المصادر، بل يقرأ من يتحدث عنها، يفقد القدرة على التفكير المستقل. يتحول إلى مستهلك لآراء الآخرين، لا إلى شريك في إنتاج المعرفة. ولهذا أصبح كثير من النقاشات التي تمتلئ بها وسائل التواصل تعيد الأسئلة نفسها التي ناقشها الفلاسفة والمؤرخون منذ قرون، لكنها تقدمها باعتبارها اكتشافات جديدة.إن أخطر ما تفعله ثقافة اللحظة أنها تجعل الإنسان يحتقر الزمن. تنزع عنه التواضع أمام التاريخ، وتقنعه بأنه أكثر ذكاء من جميع من سبقوه، فقط لأنه يمتلك هاتفا أسرع واتصالا أفضل بالإنترنت.
لكن امتلاك المعلومات لا يعني امتلاك الحكمة.لقد كانت الإنسانية تطرح أسئلة الحرية والعدالة والسلطة والأخلاق قبل آلاف السنين، وما زالت تطرحها حتى اليوم. تغيرت الأدوات، لكن الإنسان لم يتغير بالقدر الذي نتصوره. ولذلك فإن الكتب التي بقيت حية ليست مجرد نصوص قديمة، بل عقول استطاعت أن تتجاوز عصرها، وأن تخاطب الإنسان بوصفه إنسانا، لا بوصفه ابن لحظة عابرة.حين تقرأ ابن خلدون، فأنت لا تقرأ تاريخا انتهى، بل تقرأ آليات صعود الدول وسقوطها. وحين تقرأ الجاحظ، فأنت لا تعود إلى الماضي، بل تكتشف كيف يمكن للعقل أن يحول اللغة إلى أداة لفهم المجتمع. وحين تقرأ الفلاسفة الكبار، فأنت لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تتعلم كيف تصنع السؤال الذي يستحق أن يطرح.لهذا لا أخشى على الأمة من قلة المؤلفين، بل أخشى عليها من كثرة الذين يكتبون قبل أن يقرأوا، ويتصدرون المشهد قبل أن يخوضوا معركة طويلة مع الكتب. فالثقافة لا تصنعها سرعة النشر، وإنما يصنعها تراكم القراءة.
وما يزيد المشهد قسوة أن المؤسسات التعليمية نفسها أصبحت، في كثير من الأحيان، تنتج حفظة معلومات أكثر مما تنتج عقولا ناقدة. يتخرج الطالب وهو يعرف كيف ينجح في الامتحان، لكنه لا يعرف كيف يحاور كتابا كتب قبل خمسمائة عام. يعرف كيف يبحث في الإنترنت، لكنه لا يعرف كيف يبحث في نفسه.إن المجتمع الذي يهجر كتبه الكبرى يفقد تدريجيا قدرته على إنتاج أفكار كبرى. فالكاتب الذي لم يتحاور مع العقول العظيمة، سيظل يعيد تدوير الأفكار السائدة. والقارئ الذي لا يقرأ إلا ما هو رائج، لن يرى أبعد مما تسمح له به الموضة الثقافية.لذلك فإن الدعوة إلى قراءة الكتب القديمة ليست دعوة إلى تمجيد الماضي، بل دعوة إلى تحرير العقل من استبداد الحاضر. لأن الإنسان الذي لا يعرف من أين جاءت الأفكار، لن يعرف إلى أين يمكن أن تذهب.
إن الأمم لا تبدأ من الصفر، لكنها قد تجبر نفسها على ذلك عندما تقطع الجسر الذي يصلها بتراثها الفكري. وعندها يصبح التاريخ مجرد سلسلة من الأخطاء التي يعاد ارتكابها، لا لأن الحلول كانت غائبة، بل لأن أحدا لم يكلف نفسه عناء العودة إلى الكتب التي احتفظت بها.لهذا، فإن الجيل الذي لا يقرأ إلا الجديد لا يعيش في المستقبل كما يظن، بل يدور في حلقة مفرغة، يعيد أخطاء القدماء، ثم يمنحها أسماء جديدة، ويحتفل بها كما لو أنها ولدت لأول مرة.
#زكريا_نمر




