ابتكر الخميني، في الفقه الشيعي ، فكرته الشيطانية " ولاية الفقيه" لمواجهة أمرين أساسيين: تلمس حيلة سياسية للخروج من الإحراج العقدي الذي يتمثل في التعلق بإمام غائب منذ 14 قرنا ، تنسب إليه كل الصلاحيات الإلهية، بالرغم من عطالته الواقعية خاصة في شؤون الحياة العامة للناس ، و الحياة السياسية للنخب بوجه أخص، و انحسار دوره في مسائل فقهية من بينها أخذ الخمس على المؤمنين الشيعة، فحسب. و الأمر الثاني، و هو الأهم، رسملة المخزون الروحي الهائل للإمام الغائب و تحويله إلى رأسمال سياسي تعبوي للأتباع من جهة ، مع نقل هالة القداسة و العصمة من الإمام الغائب المعطل و خلعها على نوابه من أصحاب العمائم السود، الأولياء الفقهاء، المتصرفين بإذن الإمام الغائب، و الحاكمين بأمره و المعصومين بعصمته!
هذا الابتكار، بتجربته الإيرانية، هو ما تسعى جماعة الإخوان المسلمين إلى استنساخه، بشيء من التكييف، في مجتمع السنة ؛ فهي تعمل على ضرب كل المرجعيات العلمية الشرعية لأهل السنة، من خارج الجماعة و تسفيههم و إباحة أعراض علمائهم للغوغاء من أتباع الجماعة بهدف كسر الحلقات الدينية المقاومة لمشروع الإخوان في المجتمع العربي السني ... حتى يكتسب " المرشدون" : درجة الأولياء الفقهاء في المرجعية الشرعية الإخوانية ، ، أصحاب العمائم البيضاء ، مقام العصمة العملية و المرجعية الدينية الممثلة الوحيدة عن النبي محمد ( ص) ، يتصرفون باسمه و نيابة عنه، دون غيرهم من علماء الطوائف الأخرى ،... و على غرار و صورة الأولياء الفقهاء الشيعة الصفوية ، لا يحق لأي كان أن يسأل أصحاب هذا المقام عما يفعلون ، تحت طائلة التعرض للسحق بالإرهاب الإعلامي الغوغائي و التلويح له بالطرد من الإسلام ... وصولا للسيطرة الكلية على المجتمع ، في أمور الدنيا و أمور الآخرة!
لقد أظهرت قضية تبرعات القبائل الموريتانية لأهل غزة، و ما اكتنف مصيرها من غموض و ما ردت به الجماعة من غضب غير مبرر على المشككين و المستفسرين عن مسار تلك التبرعات ، في ظل صمت مريب للسلطة حيال قضية رأي عام و في موضوع حساس للغاية، أن المجتمع الموريتاني، بما فيه السلطة، بات ناضجا للاستسلام للعصمة العملية لشيوخ الإخوان المسلمين، و أن أي تساؤل عن تصرفاتهم أو تصرفات من يحظون بنزكية أولئك الشيوخ، مهما بدت مريبة ، يعتبر ضربا من رقة الدين، إن لم يكن مروقا من الدين نفسه !
.
و الحالة هذه، قد تبتلع الجماعة المجتمع الموريتاني لبعض الوقت عبر الاستثمار في العاطفة الدينية للأكثرية المفعمة بالجهل عموما، من جهة ، و من جهة أخرى بتنويع أوعية "الضرائب التبرعية " على الشعب ، و إعادة توظيف بعض من أموال " هذه الضرائب التبرعية" لصالح العوام في شكل خدمات طبية و إغاثية، إما مدفوعة الثمن نقدا واقفا ، أو مدغوعة الثمن مؤجلا، سياسة و دعاية و انتخابا، مما يسمح للجماعة بمشروعية استمرار هذا التدفق الضريبي في أوعيتها المالية من جيوب المجتمع لصالح ترسيخ صورة الجماعة الخادمة للناس وحدها من دون العالمين، و من جهة يسمح لها بتحدي الدولة ماليا و دعائيا و تمثيلا للاستجابة لمعاناة الشعب ، كما هو حاصل بين حزب الله و الدولة اللبنانية... مما يؤهلنا لنصبح مجتمعا مشروخا أفقيا و عمموديا ، و نصبح رهينة لواقع لن يكون في مقدورنا إصلاحه حتى لو حصل الإجماع على خطره الوجودي!
غير أن هذه القوة المالية الهائلة التي تتميز بها جماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا، عن باقي القوى و التيارات الحزبية ، سواء وفدت" سيولاتها" من خارج حدود البلاد أو حصلت من جيوب الشعب بعناوين التبرع ، كلما تعثرت التدفقات الخارجية ، ستتحول، مع الزمن، إلى نقطة ضعف مميت للجماعة و للدولة حين تنسحق الدولة و القوى و المشاريع الأخر ى من واجهة الصراع مع الجماعة و يغيب التنافس مع خصوم الإديولوجيا، لتنقلب الجماعة على نفسها و تأكل بعضها في الصراع البيني على المال و الرمزية و العصمة... و هنا الخطر الأعظم على البلاد و العباد !
إن من مصلحة الجميع أن تنزع الدولة و المجتمع هالة التقديس من المجال السياسي و عن السياسيين حتى لو كانوا شيوخا فقهاء، أو علماء دين أو صلحاء تجري بأيديهم الكرامات و الخوارق ... و يفتح الباب على الجميع بالنقد و المساءلة و الفحص و التمحيص و المحاسبة و بالخصوص في الأمور المالية ... و من كبر عليه هذا فليتبوأ مكانه من صحراء الملثمين، بين تلامذته و مريديه، مقدرا مبجلا، لكن بعيدا عن الحياة العمومية !
محمدالكوري ولد العربي




