بقلم الأستاذ عزالدين القوطالي ـ تونس
ـــــــــــــــــــــــــــ
لا شيء أسوء من الأحكام المسبقة المبنية على السماع المنقول والإنطباع المستورد الذي يكتفي بالترديد المملّ لتقييمات وضعها أصحابها على مقاس مواقفهم الفكرية والسياسية ثمّ نقلوها الى غيرهم دون أن يكلّف ذلك الغير نفسه عناء الإطلاع المباشرعلى المصادر الأصلية لما تمّ نقله ...
ورغم أن الدكتور محمد عمارة كما يقرّ صراحة كان قريبا جدّا من البعثيين إلاّ أنه لم يكن مهتمّا بفكر وكتابات الراحل ميشيل عفلق ولم يكن مطّلعا عليها الى اليوم الذي ذهب فيه الى بغداد قصد إلقاء محاضرات على طلبة كلية الحقوق في شهر أفريل 1981 إذ سمع وهو مقيم في الفندق خطابا للأستاذ ميشيل عفلق في ذكرى تأسيس حزب البعث العربي الإشتراكي فأسترعى إنتباهه حديث ميشيل عفلق عن علاقة العروبة بالإسلام ، وهنا بدأت رحلة الإكتشاف بعيدا عن الأحكام الماقبلية وأصبح ميشيل عفلق وكتاباته شغلا شاغلا للدكتور محمد عمارة الذي إستخلص المعاني من مصادرها المباشرة ووقف على حقيقة الفكر الخلاّق الذي خلّفه الفقيد الراحل ميشيل عفلق وراءه بعد وفاته ...
وأترك للقارئ الكريم أن يستنبط المعاني من حروف كتبها الدكتور محمد عمارة عام 1997 بعد ثمانية أعوام من وفاة ميشيل عفلق وكأنه أراد تكريم الفقيد وإعطائه حقّ قدره ومقداره فقال متحدّثا عن فقيد البعث :
في تكوينه الفكري تجاورت وأمتزجت وتفاعلت قراءاته عن الرسول العربي محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام مع آثار أبي العلاء المعري والمتنبي وإسماعيل مظهر وشبلي شميل وجورجي زيدان ونيتشة ودستويفسكي وكارل ماركس وغيرهم من الأدباء والفلاسفة والمفكرين ودعاة الإصلاح والثوار مع ميل واضح للآثار الأدبية والفلسفية ... ومشروعه الفكري هو أشهر وأبرز المشروعات الفكرية للمفكرين القوميين العرب المعاصرين ...
لقد جمعتني علاقات صداقة وإحترام ومودة مع عدد كبير من مفكري حزب البعث العربي الإشتراكي ومثقفيه ومناضليه ، وإذا كنت لم أقرأ على نحو منظم وبمنهج الباحث الدارس أعمال مؤسس هذا الحزب ومفكره الأول وفيلسوفه الأكبر ميشيل عفلق إبان حياته ، إلاّ أن صورة هذا الفكر عندي كما عرفتها من علاقاتي بمن عرفت من البعثيين وكما عايشتها خلال الممارسات الحزبية التي كنت شاهدا عليها وعلى مقربة منها ، بل ومحتكا بنفر من البعثيين خلالها منذ حقبة الدراسة الجامعية في عقد الخمسينات ، صورة هذا الفكر الذي صاغه ميشيل عفلق ، كانت لديّ كما لدى جمهرة من الإسلاميين صورة المشروع الفكري السياسي الحضاري القومي الإشتراكي العلماني الذي وإن مثّل تيارا من تيارات التغيير والتجديد في واقعنا العربي ، متميز الى حد المغايرة والعداء عن التيارات الرجعية والجمود إلاّ أنه أيضا متميز الى حد المغايرة والعداء عن التيار الإسلامي الذي يتخذ من الإسلام منطلقا للإحياء والتجديد والنهضة والتغيير .
فصورة المشروع البعثي عندي قبل الإطلاع على كتابات ميشيل عفلق كانت صورة المشروع المغاير للمشروع الإسلامي بل والمنافس له الى حدّ العداء ، وتلك هي الصورة والموقف قبل أن أكتشف ميشيل عفلق من خلال كتاباته ...
وقد يكون مفيدا أن أشير في هذا المقام الى أن موقعي الفكري من كتابات ميشيل عفلق ومشروعه السياسي ومسيرته النضالية قد مثّل العامل المساعد على أن أكتشف في فكره ما لم يستطع أن يكتشفه فيه تلاميذه ومريدون الأقربون أو خصومه المناوئون ...
بين الدكتور محمدعمارة والأستاذ ميشيل عفلق : الإكتشاف المتأخر والمعرفة البعدية




