تعد الهوية ما بعد الرق من الإشكاليات التي تبرز بقوة بعد تحرير الأرقاء ودون الخوض في الجدل القديم حول شرعية الرق المحلي وما خلفه من مشكلات وعراقيل ثقافية واجتماعية واقتصادية ونفسية فإن سؤال الهوية يظل من أكثر الأسئلة إلحاحا في مرحلة ما بعد التحرير.
ومعلوم أن الأغصان تبدأ دورة المعاناة عندما تقطع عن جذوعها وكذلك الإنسان حين يجتث من أصوله ويبعد عن قومه فيدخل في مسيرة من التيه والضياع وكان الرقيق في كثير من الحالات فرعا مجتثا من أصوله العرقية والقومية.
ومن البديهي بعد التحرير، أن يبحث الإنسان عن أصوله العرقية وهويته الثقافية لما للهوية من أثر عميق في تشكيل شعور الأفراد بمعنى الحياة والانتماء كما أن تحديد الهوية العرقية يكتسي أهمية خاصة في التعارف بين الناس، مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
وقد أُثير في الآونة الأخيرة جدل متجدد حول هوية الحراطين في موريتانيا هل هم بيظان بحكم الاندماج الثقافي واللغوي والاجتماعي، أم مكون مستقل ذو أصول زنجية؟
وإذا كان الحراطين ليسوا بيظانا رغم هذا الاندماج فما هي هوية العبيد السوننكي السابقين؟ وكيف تتحدد الهوية في مرحلة ما بعد الرق؟
وقد أثار هذا السؤال فضولي بشأن الأرقاء السابقين في المجتمع السوننكي هل هم سوننكيون انتماء قوميا استعبدوا من قبل ذويهم وبني عمومتهم؟ أم أنهم أفراد من قوميات إفريقية أخرى استرقوا عبر التاريخ ولا تجمعهم سوى وحدة المعاناة أو ما يعرف في التعبير السوننكي بـ Kathien Baané، أي وحدة الحبل والسلاسل؟
إن نظرة سريعة في تاريخ العبودية داخل المجتمع السوننكي تظهر أن العلاقة بين الأسياد والأرقاء السابقين كانت في الغالب علاقة رق دون وجود روابط نسبية أو انتماء عرقي أصيل يجمع الطرفين. فمحددات الهوية العرقية السوننكية التقليدية تقوم أساسا على الألقاب العائلية التي تميز السوننكي الأصيل من غيره. وبالنظر إلى ألقاب كثير من الأرقاء السابقين نجد أنها تعود إلى قوميات إفريقية أخرى، مثل البمبارا والموسي والماندينغ وغيرهم.
وبناء على ذلك يمكن القول إن انتماء هؤلاء إلى الهوية السوننكية أصبح قائما أساسا على اللغة والثقافة لا على الأصل العرقي. وهذا ما استقر عليه الواقع بعد انتهاء عهد الرق.
ومن اللافت أن قادة النضال الحقوقي في الساحة السوننكية خلال معركتهم ضد العبودية ومخلفاتها لم يجعلوا من قضية الهوية القومية محورا لنضالهم رغم أن بعضهم لا ينتمي إلى القومية السوننكية من حيث الأصل فقد انصب التركيز على مقاومة الظلم الاجتماعي والعادات والتقاليد المكرسة لرواسب العبودية والعبودية العقارية لا على إعادة تعريف الانتماءات القومية
ويبقى السؤال مطروحا هل من المستساغ البحث اليوم عن الجذور التاريخية للأرقاء السابقين من السوننكي أو الحراطين بعد اندماجهم النسبي في مجتمعات الأسياد وبعد أن فقدوا لغاتهم الأصلية وثقافاتهم وذاكرتهم القومية؟
في تقديري لا يبدو ذلك مستساغا ولا ممكنا عمليا لأن الهوية في مرحلة ما بعد الرق لا يمكن أن تتحدد إلا من خلال اللغة والثقافة نظرا لصعوبة التحقق من الأصول التاريخية الدقيقة للأرقاء السابقين الذين لا يجمعهم أصل واحد وعند التأمل في تاريخهم لا نجد رابطة جامعة بينهم سوى وحدة المعاناة التي عاشها أسلافهم ووحدة القيود التي ربطتهم بأسواق النخاسة تاركين وراءهم هوياتهم القديمة وآمالهم وأحلامهم.
ومن ثم فإن اللغة والثقافة تظلان المحدد الأكثر واقعية للانتماء إذ إن من تكلم بلغة قوم وتشرب ثقافتهم واندمج في مجتمعهم كان منهم بغض النظر عن اللون أو الأصل أو العرق.
بوبكر سيلا/أستاذ وناشط حقوقي
الھوية//مابعد ارق




