القوميون من العرب والبولار وجھالوجھ على مائدةالحوار...

بواسطة yahya

القوميون من العرب والبولار وجها لوجه على مائدة الحوار...

في بلادنا تيار قومي عربي وفيها أيضا تيار قومي بولاري ، الأول له جناحان ناصري وبعثي والثاني له من الأجنحة أربعة  تناغم نشاطها  لعقود ثم لما تبينت لها الحاجة أن توحد  إطارها المؤسسي والعملياتي ، انصهرت في حركة مسلحة تدعى "قوات تحرير أفارقة موريتانيا" المعروفة اختصارا ب"افلام"
التيار العروبي نشأ  بعد الاستقلال بسنين والتيار البولاري نشأ قبله بثلاثة عشر عاما وتحديدا عام 47.
يؤمن التيار العروبي بالدولة الوطنية ولا يقبل عنها بديلا ورغم كل ما ناله من ظلم وبطش وتعسف وحرمان من أنظمة الحكم جميعها ، لم يحمل منه فرد سلاحا في وجه الوطن ولا في وجه حاكم...
التيار البولاري لا ينكر أن الدولة الوطنية التي يقبل بها لم تولد بعد وهذا ما يفسر أن طبعته "الفلامية" أعلنت عن نفسها  إبان نظام حكم كان على توادد كبير معه بل لا مغالاة في القول إنه كان يدا موثوقة من أيادي حكمه وذراعا طويلة ومأمونة من أذرع أمنه...
تعرض التيار العروبي لبطش شديد من جميع الأنظمة من دون استثناء لكنه لم يُحمِّل قبيلة أحد ولا جهته ولا قوميته  مسؤولية ما لحق به من أذى  بل يرجع المسؤولية كاملة لنمط حكم استثنائي طبْعَته المميزة أن يتغول الحاكم ويفتك بمن يعترض سبيله من معارضيه..
تعرض التيار القومي البولاري لبطش شديد هو الآخر ولكن  على نظام حكم واحد وسلم من جميع الأنظمة الأخرى وبدل أن يسجل ما تعرض له ضمن دائرة سياسية صرفة ، جعل منه أزمة وطنية وقومية ؛ فحمل السلاح ضد الدولة ومؤسساتها وضد الجميع....
التيار العروبي  لا يجد من عرب اليسار  سندا بل في غالب الأحوال  يكونون عليه أشد من غيرهم والتيار البولاري يجد سندا قويا في أوساط بولار اليسار الذين ينشطون بقفازات ناعمة لكنها تصل لما لا يقدر عليه الآخرون ويجد أيضا سندا قويا من الإسلام السياسي في القضايا الخلافية مع العروبيين.... قناعة منه أو نكاية بهؤلاء  
التياران سيلتقيان في حوار يبدو قريبا ، التيار البولاري منظم ومعه من يسنده والتيار العروبي مفكك وتتعاوره سهام من جهات عدة بعضها بقفاز من حرير وبعضها معلن صريح   وسيكون على التيارين عرض النقاط الخلافية بينهما ونقاشها...فما هي القضايا الخلافية بينهما ؟
ستدفع حركة "فلام" بعريضة الأحزاب الأربعة عشر،  مطالب قديمة تتجدد وأهمها مسألة المظالم ومسألة الهوية....
فأما المظالم فلا خلاف على جبرها ، فالظلم ظلمات يوم القيامة والله حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرما ونهاهم أن يظالموا والجميع مجمع أن على الدولة أن تنصف كل مظلوم وأن تجبر خاطر ذوي كل من قتل ظلما والدولة تحمي ولا تظلم والفرق بين العروبيين  وحركة "فلام" ومن والاها أن العروبيين يقولون بالنظر للمظالم ككل وأن الآخرين يرغبون أن يكون العنوان حصرا بأحداث التسعينات...
النظر بكلية  للمظالم يضمن أن لا تخرج عن الدائرة السياسية وأما حصرها في أحداث بعينها يعني أن تدخل في دائرة خصومات مجتمعية وهذا يعني أن تصبح عابرة للأجيال وتتحول إلى مظلمة تاريخية.....يرى العروبيون أن هذه المظالم ينبغي أن تُجبر مع المعنيين أنفسهم أو ذويهم وأن لا تصبح عنوانا سياسيا بيد زيد ولا عمر وأن لا تقتصر على حقبة دون أخرى فمن لحقه أذى كبير يكون جبر خاطره على قدر ما لحق به من أذى ومن كان دون ذلك يكون الجبر على قدر ما تعرض له من ظلم....فتصبح القضية قضية الجميع والطرف الآخر فيها واحد هو الدولة والدولة فقط....
أما القوميون البولار فيرغبون أن تسجل مآسي التسعينات عارا في حق مجتمع بعينه وأن يكون هذا العار عابرا للأجيال فيصبح مادة سياسية حاضرا ومستقبلا وربما يكون الجبر أيضا عابرا للأجيال وهذا ما تجلى من خلال المطالبة بنصب تذكاري للضحايا وباعتماد تلك الأحداث ضمن المناهج  التعليمية !!!!
أما النقطة الخلافية الأخرى بين القوميين العرب والقوميين البولار فهي موضوع  الهوية وترسيم اللغات الوطنية والمقصود حقيقة هو البولارية...
يري العروبيون أن ترسيم اللغات غير العربية  أمر نشاز     والمطالبة بأمر نشاز لا يمكن أن تكون طبيعية  والموافقة على أمر نشاز أيضا هي الأخرى ليست أمرا عاديا ويتساءلون ما الذي جعل موريتانيا وحدها من بين دول غرب أفريقيا  تواجه مشكلة ثقافية ؟ هل لأن المكون البولاري أكثر ثقلا ديمغرافيا فيها من دول المنطقة ؟ أم أن اللغة العربية لا ينطق بها من الناس إلا أغلبية نسبية ضئيلة لا يحق للغتها أن تكون عنوان هوية جامعة ؟ أم أن المشكل الثقافي في موريتانيا له علاقة قوية بموضوع تصفية الاستعمار ؟ أم أن  السبب الحقيقي ليس هذا ولا ذاك بل لأن  الترسيم  شرط  لتحقيق غايات أخرى أهم بكثير ؟ 
يوجد البولار في الجوار القريب ، السنغال ، مالي ، ويوجدون في  بوركينافاسو،  وغينيا وساحل العاج وعموم غرب أفريقيا حتى جنوب  خليج غينيا لكن أقل تجمع لهم  في القارة يوجد في موريتانيا وغامبيا......فلماذا وحدها موريتانيا من يجب عليه ترسيم  البولارية ؟ 
الدستور الموريتاني في مادته السادسة يقول إن اللغة العربية هي اللغة الرسمية ويقول أيضا إن اللغات الأخرى "لغات وطنية" ولا تختلف موريتانيا عن الدول الأخرى إلا في أمر واحد أنها استبدلت لغة المستعمر وأحلت محلها لغة القرآن !!!!!
في السنغال لغة رسمية واحدة هي الفرنسية وغيرها مصنف "لغات وطنية"  وفي دولة غامبيا اللغة الرسمية الوحيدة هي الانجليزية وغيرها "لغات محلية".....ولا يشكو أحد ظلما 
وفي جمهورية مالي اللغة الرسمية الوحيدة هي الفرنسية وغيرها "لغات وطنية" وفي ساحل العاج اللغة الرسمية الوحيدة الفرنسية وغيرها "لغات محلية" وفي بوركينافاسو اللغة الرسمية الوحيدة هي الفرنسية وغيرها "لغات وطنية" و في دولة غينيا حيث يقارب البولار نصف السكان ، الفرنسية هي اللغة الرسمية وغيرها  "لغات وطنية" والجميع يقبل بذلك....فلماذا هذا الإستثناء الموريتاني !!!! 
يقول العروبيون إن يد المستعمر واضحة ، فأية دولة جعلت من لغة المستعمر لغتها الرسمية نالت منه ومن أذرعه المحلية حصانة أن لا تعيش مشكلة ثقافية وكل من سولت له نفسه أن ينتقص من لغة المستعمر ودورها الناظم يكون في عين إعصار استعماري لا يرحم......وعليه أن يدفع الثمن
ثم إنهم يخشون أن يكون المقصود هو تمييع الهوية الوطنية ثم المطالبة بعد ترسيم اللغات أن تكون لغات البلد كلها في نفس الدرجة ولا يحق لإحداها ما لا يحق لغيرها فتصبح الفيدرالية واقعا "دستوريا" ينتظر ثم يكون الانفصال أو إن تعذر بحكم استحالة التمايز الجغرافي والبشري ، يتم اللجوء للعودة للغة الفرنسية كلغة توافقية وسيترافق ذلك يقينا مع لفتة فرنسية نشطة و"كريمة" ووعدا بأن ينتهي الاشكال الثقافي في البلاد...
يُنتظر من القوميين البولار أن يجيبوا على هذه الأسئلة وينتظر ممن يرى ما يرون أن يساعد الآخرين في فهم المقصد من هذه البدعة التي ما سبقهم لها أحد وأن يجيب عن سؤال جوهري ما الذي يجعل موريتانيا حقل تجارب لسابقة ونازلة لم  تقل بها دولة جارة بل  تقل بها دولة في العالم أجمع  !!!!

الدكتورمحمدولدالراظي