بسم الله الرحمن الرحيم
بعد قرابة أربعة عقود من وفاته ، نستحضر اليوم ما نراه شديد الارتباط بقضايا مجتمعاتنا الراهنة.
وتوجه الورقة أسئلة ونثير أخرى من قبيل : هل ما تزال دعوة الأستاذ لإحياء العقل وبناء العدالة وتجديد الذات ومراجعتها، تحمل من الوجاهة ما يستحق النظر في معالجة ما تعانيه مجتمعاتنا اليوم . وكيف يمكن أن نناقشها في السياق الوطني الموريتاني ، و ما الجوانب التي يمكن توظيفها من الفكر التنويري العربي لبناء مشروع وطني يواجه في موريتانيا تحدياته الخاصة.
نحاول ذلك في حدود ما تسمح به طبيعة البحث، ومنهج التحليل وتتبع نصوص وأعمال الأستاذ في المواضيع الثلاثة المذكورة .
ولن نتوقف عند تقييم تجربته السياسية ولا الملاحظات حولها، ولا ما تعرضت له من نقد، رغم أهمية ذلك، ونتركه لفرص قادمة تتاح لنا وربما لغيرنا، ونكتفي بقراءة سريعة للعناوين الثلاثة في مشروعه النهضوي مدركين أن البحث في فكره السياسي ينغرز في دراسة تيار واسع أطل في بداية القرن الماضي على الساحة العربية لمواجهة ما اعتبره واقع أمته في لحظة ضعف تاريخية، والسعي لحثها على عناصر تطورها المتاحة، وتحديد كوامن تخلفها التي انزلتها إلى مراتب متأخرة بين الأمم قبل أن يداهمها الاستعمار ويضيف لتخلفها سيئتين هما التجزئة والتفتيت. فاجتمع لها التخلف بالتقسيم والتبعية .
من هنا كان حضور مبدأ محاسبة الذات بعد مرارة الصدمة التي أصابت من هلل لما سمي بالثورة العربية، مع الشريف حسين، دون انتباه لكون ثورة يقودها الإقطاع ولا تعي خطورة الاستعمار، وتتشبث بثقافة قديمة لن تحرر الأمة أحرى أن تعيد لها مكانتها ودورها التاريخي.
مشروع الأستاذ اعتبر أنه بدون قطع الصلة بأسباب الكبوة، ستظل الأمة تدفع ثمن الخطأ الواحد مرتين، فاشترط للتحرر تحرر العقول مع التحذير من استعارة موقف المفكرين الغربيين السلبي من الدين والتراث، لكونه نابع من سياق تاريخ أممهم الديني والثقافي. وكانت دعوته لرفض الالحاد في فهم خصوصية دور الدين الإسلامي ومكانته في المجتمع العربي ف(الدين كما يظهر لنا من استعراض تاريخ البشر منذ أقدم العصور إلى اليوم، هو شيء أساسي في حياة البشر) .
وتوسع في الفكرة خلال محاضرته بجامعة دمشق 1943 (في ذكرى الرسول العربي) حين حسم خطوته القومية التحررية التي رفضت الانقسام الطائفي وأن تتعارض دعوة تحرير العقل بالمهمة الرسالية لإنسانية القومية العربية ولإسلام حاملٍ ومحمول.. فمن حيث أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة، فإن جدليتها مع الهوية الحاملةِ جدليةٌ خالدة.
مساحة التنوير ظلت تتسع في مشروعه من خلال عناوين متَّصلة، ومفاهيم مترادفة من قبيل الحرية والنهضة، وروح العصر التي تمكن الإنسان من النقد والإبداع، والنظرة الايجابية للحداثة متى تم تكييفها مع بيئة المجتمع وابتعدت عن الاستعارة والنقل المباشر، وما يسببه الخمول الفكري وغياب روح النقد من اجترار مساوئ الماضي أو الذوبان في قيم غيرنا وثقافته .
دعوته للحرية كانت دعوة للخروج من ربقة القبيلة وسطوة الطائفة وكسر (الدوائر الضيقة للماضي بوعي الانتماء إلى ما هو ثمين فيه) . لأن تخلف العرب اليوم استمرار لمآسي كبوة جسدتها مقولة الخليفة العباسي المهزوم : بغداد تكفيني .
والتنوير يكمن في شجاعة الاعتراف بان هزيمتنا بدأت باستقالة العقل وتعطيله، (ومتى أعدنا استخدامه وجدنا طريق الخلاص) .
فكما لا يخشى الجالس في ضوء الشمس من الإظلام لا يخشى ذو العقل من التخلف والجمود.
و( خلاص الأمة مرتبط بجيل حر واعٍ يعيش عصره ويمتلك أدوات النقد والابتكار، ويبحث للأشياء عن موقعها الصحيح في الحياة) جيل يتجاوز العصبيات الذهنية و العرقية والطائفية والإقليمية، وغيرها من القيم التي تحمل عوائق تقدّمنا وسببت تخلّفنا .
فلا معنى مِن التحرر من الاستعمار إذا لم يصاحبه تحرر من قيم الإقطاع والتخلف. والحقيقة التي يجب بناؤها في الأذهان أنه بدون قيم العقل والتنوير ستهجر الأمة قيم الحرية بعد دحر الاستعمار ، كما تهجر عاصفة مجنونة سهلا أخضر تركته يبابا…
وتتحقق الحرية من خلال الوعي والإرادة والمسؤولية واحترام القانون المستمد من قيم الأمة في عصور وعيها بذاتها واحترام القيم الإنسانية العليا.
كما أن رفض الاستعمار بدون معنى إذا لم يصاحبه رفضٌ لما جاء به من فُرْقة وقهر وجبرية وغَلَبة، وما خلفه من كثرة تلون عملائه ووكلائه المحليين، وما شجع لديهم من تعطيل كشف الأمة لنواقصها، وإصلاح أخطائها و كسر الوحش الكامن في تفكيرها الذي ترك أفرادها منفيين داخل أوطانهم.
والنهضة تعادل صياغة وعي الأمة وتغيير نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية وبناء نموذج حكم مفارق لما بعد عصر المأمون (813-833 م) .
وتحتاج عودتنا للتاريخ أفكارا تحارب الروح المنفعلة والأنانية المستغِلة وعلاقات الإنتاج الظالمة، وخلق ثقافة تقدر العمل وتحتفي بالابتكار و تحفز كتلة بشرية تحتل المرتبة الثالثة عدديا بين التجمعات السكانية في العالم بعد الصين والهند.
وتحرير العقل شرط لتحقيق العدالة الاجتماعية، التي أطلق عليها الاشتراكية ، وتبرز في طرحها لديه روح الحيرة ونقد بنية العقل الأخلاقي والسياسي لمجتمعنا والتناقض بين منطوق ثقافته ودعوتها إلى المساواة والعدل، وبين ممارساته التي تكرس التفاوت والغبن والاستغلال .
في محاضرته ( طموح البعث) و(نظرتنا الحية للحزب ) الدولة العادلة يستحيل قيامها وسط شعب محروم من الكرامة، شعب يسحقه التفاوت الاجتماعي، وظلمٌ محروس بمؤسسات تحمي ثقافته الموروثة وتدافع عنها ، وتذروا الرياح والديماغوجية في وجه مناوئيه وضحاياه.
الاشتراكية ليست صراعاً طبقياً بالمعنى الماركسي، ولا إلغاءً للملكية الخاصة، بل وسيلة أخلاقية ووطنية لتحقيق الكرامة الإنسانية ومنع الاحتكار والاستغلال.
ولن يفيد الجائعين أي قدرٍ من الحرية السياسية، لأنّ الجوع والفقر يُجبرانهم على التخلي عن التعليم، ويواصلان صناعة الأمية والجهل والجريمة في أوساطهم ، وإخراجهم من دورة الحياة والتطور، وهذا هو أكبر مصادر استنزاف لطاقات الأمة.
وليست الحاجة إليها في تقديم الطعام وحاجات الإنسان البيولوجية وإنما لضمان تحقيق كرامة الإنسان التي سلبت منه بالفقر والتخلف ( فلو سئلت عن أسباب ميلي للاشتراكية لأجبت: إن ما أطمع به منها ليس زيادة في ثروة المعامل بل في ثروة الحياة، وليس همي أن يتساوى الناس في توزيع الطعام بقدر ما يهمني أن يتاح لكل فرد إطلاق مواهبه وقواه.
هي عنده الضامن للكرامة والطاقة التي تَشدّ لحمة المجتمع وتمنحه هوية شعورية موحّدة وتجعل من الإنسان قيمة عليا مجلوب على الخير بطبعه ومتى نجا من الظلم والقهر والجهل أدرك الخير وقام به ودعا إليه.
ويربط تحقيقها بروح الوطنية كذلك وبالانتماء السياسي والقانوني للدولة المغاير للانتماءات المجتمع الضيقة وما يترتب عنها من خطر الانقسام والتعصب اللفظي والتمييز المؤسسي، وتحقيقها في موطن آخر عنده شرط لتشجيع سلوك الفرد داخل الأمة حتى يصبح محكوما بفكرة الانتماء الواعي المعزز براحة الشعور بغياب الظلم والتمييز الذي لا يبرره جهد .
وتصبح لديه بهذا المعنى مطلبا أخلاقيا وإنسانيا قبل أن يكون تقنية توزيعية للخيرات المادية والرمزية للأمة.
يقول إن (إخضاع الاقتصاد لمصلحة المجتمع بدل إخضاعه لمصلحة الاحتكار لا يحمي الثروة وإنما يحمي الأمة ) وحماية الأمة في حماية سلمها الأهلي والقضاء على شعور الظلم المولِد للرغبة في تدمير شبكة القواعد الداعية للتراحم وضبط السكينة وتناغم الأحاسيس الجماعية المشتركة .
لأن امرأً ظُلم حقوقه مضطرٌّ للبحث عن استعادتها بما لديه من أسباب، ومن أسكتهم الظلم (قص ألسنتهم ) يسلبون حقهم في التعبير الحر ويُدفعون للعدمية، (وللابتسامة الساخرة التي يتسلح بها الضعفاء كلما دعاهم الواجب واستيقظ في ضمائرهم صوت الحق)
ولم يكتف بالوقوف عند نقد الأوضاع العامة بل دعا أكثر من مرة وفي أكثر من موقف حركته لمراجعة دائمة لمقاصدها وأهدافها، انطلاقا من مسلمة أن هذه الأهداف لا تتحقق بمجرد رفع الشعارات، ولا حصول النيات الحسنة والعزيمة الصادقة .
مارس هذا النقد بعد فشل تجربة الوحدة السورية المصرية 1961 و دعا لمراجعة أداء الأحزاب القومية، وحذر من تحولها إلى جهاز بيروقراطي.
ومارسه بقوة أكبر بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967 واعتبر أسباب الهزيمة أسباب داخلية وخصص لنقدها كتابا كاملا أطلق عليه ( نقطة البداية) ومحاضرات تبين غياب الشروط الفكرية والتنظيمية في بنية الحركات والأحزاب القومية وعلاقاتها ببعضها البعض، وضعف إعدادها الداخلي، ليتسني لها تأمين دور قيادي في مرحلة نضالها بعد استلام السلطة، وهو الشق الاكثر تعقيدا وتقتضي مهامه المعقدة قدرةً علي استشراف المستقبل وقدرة الاستجابة لانتظارات الساحة وكسب ولائها الطوعي والدائم في الوصول إلى الديموقراطية المؤسسية المنشودة اليوم.
وناقش في أحاديث أخرى خطر تحول الأفكار والشعارات إلى أصنام فكرية، وطغيان الألفاظ على المعاني، وهو أخطر تتعرض له حركة معينة، يفقدها حيويتها النقدية ويسهل انخرام عودها واستسلامها للتقليد.
فجميع الحركات معرضة لأن تفقد عفويتها وأصالتها مع اتساعها، وواجب الأفراد الأحرار داخلها هو المحافظة على استقلال التفكير والبحث عن المعنى الحي وراء الشعارات.
فهؤلاء هم يسميهم الرقباء الذين يمنعونها من السقوط في السطحية والتقديس في الصفحة 53,54: من الجزء الأول من كتاب في سبيل البعث يقول :
(وأننا إن لم نلحّ كثيرًا عليه لكي تكون يقظته أصيلة وانبعاثه انبعاثًا عميقًا فإنه يميل بطبيعته إلى أن يختتم هذه المرحلة البطولية قبل أوانها، وأن يقول: إن آمنّا بكم وبحركتكم، ويدين لنا بالطاعة والموافقة قبل أن نكون قد استخرجنا من داخل أمتنا كل الكنوز الروحية.
لا بد من زيادة التوتر والصراع، لا بد من الدفع الدائم ومحاربة كل كسل وكل ميل للراحة وكل محاولة لإنهاء النضال أو اختصاره، وهذا كما قلت من عمل الأفراد، لأنهم هم الذين يشعرون بهذا الخلل وهم الذين يثور ضميرهم عندما يرون الحركة قد انساقت وراء الشعارات الاصطلاحية وجعلت كل إيمانها في ترديد الكلام والألفاظ أو تمجيد قيم هي جديدة، ولكنها إذا لم تنفخ الروح فيها يومًا بعد يوم فإنها ستكون كالقيم القديمة سواء بسواء)
ويتردد المفهوم لديه على نحو مطرد في كتاباته الأخيرة وسعيه لملاءمة فكره مع تموجات الواقع ومستجداته المتعددة وروافده المتجددة .
كما ورد ذلك في خطابه الأخير في السابع من نيسان 1989، وتجسد في سعيه لتنظيم حلقات تفكير ومراجعة عامة للمرحلة بمشاركة مفكرين من خارج تياره السياسي من ضمنهم محمد عابد الجابري، أحد أبرز أصحاب المشاريع المعرفية المعاصرة في نقد العقل العربي .
مبدأ النقد الذاتي ارتبط لديه مثل العدالة الاجتماعية بالعقل وتطويره، وزاده مسحة اخلاقية ووجودية وفلسفية واطلق عليه (الانقلاب الذاتي) ، ويعني صرامة المناضل وانضباطه وتربيته ليكون مشروعا فكريا وثقافيا وروحيا مفارقا للواقع الفاسد ومتعاليا عليه .
ويرد بمعنى فلسفي ( يقظة الوجدان ) التي تزول بتحقيقها الفوارق بين أبناء الأمة وتصل إلى مستوى روحي يصهر نفوس أفرادها ويعزز لديهم المشاعر الايجابية. ويرد في سياق آخر تعبيرا عن أداء الأمة لرسالتها الإنسانية الخالدة، لإنَّ يقظة العرب القومية كما يقول اقترنت برسالة دينية... ليؤدوا واجباً دينياً كلّه حق وهداية ورحمة وعدل وبذل" ولعل هذا ما جعل الدكتور محمد عمارة يذهب في كتابه "التيار القومي الإسلامي" إلى إن الاستاذ ميشيل عفلق استدعى الإسلام كمرجعية لمشروع الأمة الحضاري المعاصر ونهضتها المستقبلية المنشودة، لأنَّ الإسلام حياة متجددة ومجددة لروح الأمة ودورها الرسالي).
أما الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل فاعتبر مفهوم الانقلاب عنده ربما التبس في موروثنا الوطني الموريتاني بالانقلاب على السلطة اللفظ المألوف والمتكرر، بينما هو عند الأستاذ ميشيل عفلق مفهوما فلسفيا تحيطه القداسة والنزاهة الفكرية والاستقامة الاخلاقية ولم يتحقق إلا عنده هو وحده أي الأستاذ ميشيل عفلق..
الخاتمة
استحضرنا نقاطا من منظومة الأستاذ الفكرية وناقشنا من خلالها بعض التحديات التي تواجه بنيتنا الذهنية والسياسية والاجتماعية اليوم، من قبيل الوحدة الوطنية والقومية بعد أن سلمنا طوفان الأحداث لمشاريع تفتيت طائفي ومذهبي وقبلي وعرقي متواصل .. ومن قبيل تحقق التعدد والحرية بعد أن نزعت منا الأحداث حرية العقل وحرية الرأي، وحرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم ومن قبيل قبيل كيف نحمي ثروتنا وسيادتنا بعد عجزنا عن توفير مؤسسات تحاسب الحاكم، وتحمي الوطن، ومن قبيل كيف نتخلص من جراح الماضي والعناصر الأكثر سوء فيه : العبودية وآثارها، التمييز بمختلف أشكاله، الانقسامات العمودية .
وأخيرا تعرضنا لسؤال الورقة المركزي وهو كيف نستلهم من هذا الفكر ما يعيد سؤال "التنوير" بعد أن اجتاحنا موج الخرافة المعرفية والتاريخية وتلوث الوعي والفكري المتواصل.
وكيف نسترشد بقاعدة مستوحاة من مضامين رؤيته بأن انتفاء الظلم الاجتماعي في أية دولة وأي مجتمع يقتضي زوال الاستغلال بكافة جذوره وضروبه كما ما هو حاصل في بلادنا بوجوه مختلفة منها الجهل والقهر والفقر والحرمان والإقصاء والتبعية والتهميش الاجتماعي.
وأخيرا كيف نناقش فكر الأستاذ دون أن نجعل منه موضوعاً للتمجيد أو الإدانة، بل بوصفه فكرا نهضويا ما تزال بعض أسئلته الكبرى حاضرة: سؤال العقل، وسؤال العدالة، وسؤال مراجعة الذات: ذات الأمة وذات القوى الفاعلة فيها .
يتواصل
الدرب




