#ميشيل عفلق والمستقبل العربي : قراءة في فكر أحد أبرز مفكري الأمة العربية#

بواسطة yahya


            ▪️د . ضياء الصفار▪️

تمرّ الذكرى السابعة والثلاثون لرحيل المفكر العربي الكبير (مؤسس البعث )القائد ميشيل عفلق، في وقت تعيش فيه الأمة العربية واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً واضطراباً، حيث تتزاحم التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتتسع الفجوة بين الواقع العربي وما كانت تطمح إليه أجيال النهضة والوحدة والتحرر ،وفي خضم هذه التحولات تبرز أهمية العودة إلى فكر القائد المؤسس ليس بوصفه مؤسساً لحزب البعث فحسب، بل باعتباره أحد أبرز المفكرين العرب في العصر الحديث، ممن جعلوا من المستقبل محوراً أساسياً في مشروعهم الفكري والحضاري.
لقد انشغل ميشيل عفلق بقضية المستقبل العربي انشغالاً عميقاً ومستمراً حتى يمكن القول إن معظم كتاباته كانت محاولات للإجابة عن سؤال جوهري: كيف تستعيد الأمة العربية دورها الحضاري وتبني مستقبلها؟ ففي كتابه الشهير في سبيل البعث يشير إلى أن المستقبل لم يكن مجرد زمن قادم، بل كان مشروعاً تاريخياً وأخلاقياً وإنسانياً يتطلب وعياً وإرادة ونضالاً.
ومن بين النصوص التي تكشف بوضوح رؤيته للمستقبل قوله: “ماذا نقصد نحن بالمستقبل، وما هو هذا المستقبل الذي يغرينا ويدفعنا إلى النضال، إن لم يكن هو الزمن الذي يجب أن تتحقق فيه روحنا الأصيلة ؟ " ففي هذا السؤال تتجسد فلسفته بأكملها ، فالمستقبل عنده ليس انتظاراً للأحداث، بل هو تحقيق للذات العربية واستعادة لطاقاتها الكامنة وإحياء لرسالتها الحضارية.
لقد رأى عفلق المستقبل العربي متجسداً في الإنسان العربي الجديد، ذلك الإنسان القادر على الجمع بين الأصالة والتجديد، بين الانتماء القومي والانفتاح الحضاري، وبين الإيمان بالتراث والقدرة على صناعة العصر ، وكان يؤمن أن الأمة التي تفقد ثقتها بنفسها تفقد قدرتها على صناعة مستقبلها، وأن النهضة تبدأ من إعادة اكتشاف الذات العربية واستنهاض قواها الروحية والفكرية.
وفي قراءته للتاريخ العربي الإسلامي، لم يتعامل عفلق مع الماضي باعتباره ملاذاً للهروب من الحاضر، بل باعتباره مصدراً للإلهام والطاقة الأخلاقية. لذلك جاءت عبارته الشهيرة في ذكرى الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم: “كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً”، تعبيراً عن رؤية مستقبلية تدعو إلى استلهام قيم الرسالة في بناء الحاضر وصناعة الغد.
كما احتلت القضية الفلسطينية مكانة مركزية في فكره المستقبلي، إذ لم ير فيها مجرد قضية أرض محتلة أو نزاع سياسي، بل اعتبرها قضية الأمة العربية وقضية إنسانية كبرى. وكان يؤكد أن أي مشروع نهضوي عربي لا يضع فلسطين في قلب اهتمامه يفقد جزءاً أساسياً من مشروعيته التاريخية والأخلاقية، وأن الثورة العربية الحقيقية لا يمكن أن تنفصل عن فلسطين بوصفها رمزاً للحرية والوحدة والكرامة.
ومن أهم ما يميز رؤية عفلق للمستقبل أنها لم تقم على الفصل بين العروبة والإسلام، بل على التفاعل الخلاق بينهما. فقد رأى في الإسلام البعد الروحي والحضاري الذي أسهم في تشكيل الشخصية العربية، وفي العروبة الإطار التاريخي والثقافي الجامع للأمة. ومن هذا المنطلق جاءت رؤيته للعلاقة بين الوطنية والعروبة والإسلام باعتبارها عناصر متكاملة لا متناقضة، قادرة على بناء مشروع حضاري عربي متجدد.
واليوم، وبعد سبعة وثلاثين عاماً على رحيله، قد يختلف العرب حول بعض التجارب السياسية التي ارتبطت باسمه أو باسم الحزب الذي أسهم في تأسيسه، لكن القيمة الفكرية لميشيل عفلق التي جسدتها ثورة البعث في العراق عام 1968 تبقى حاضرة في إصراره على أن الأمة العربية ليست قدراً جغرافياً فحسب، بل مشروعاً حضارياً يمتلك مقومات النهوض والتجدد ، لقد كان مفكراً يبحث عن المستقبل في زمن الانكسارات، ويؤمن بأن الأمم لا تُقاس بما تعانيه من أزمات، بل بما تمتلكه من قدرة على تجاوزها.
إن استذكار ميشيل عفلق في ذكرى رحيله لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لسيرة رجل أو مرحلة سياسية، بل مناسبة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي شغلته طوال حياته: كيف نبني الإنسان العربي؟ كيف نستعيد وحدتنا الحضارية؟ وكيف نصنع مستقبلاً يليق بتاريخ أمة قدمت للعالم واحدة من أعظم التجارب الإنسانية؟
تلك هي الأسئلة التي تركها القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق رحمه الله للأجيال العربية، وما زالت تنتظر الإجابة !!؟ 

          23 / حزيران / 2026