البيت الإبراھمي بين التعايش ووحدة الأديان : قراءة في الإشكال وحدود المفھوم

بواسطة yahya

 

أثار مشروع "البيت الإبراهيمي" وما ارتبط به من دعوات إلى حوار الأديان نقاشًا واسعًا في الأوساط الفكرية والدينية الإسلامية، ليس بسبب رفض مبدأ التعايش مع أتباع الديانات الأخرى، وإنما بسبب الخلط الذي وقع لدى بعض الناس بين التعايش الإنساني المشروع وبين المساواة العقدية بين الأديان.

فالإسلام، منذ بزوغ فجره، أقر بوجود أمم وملل مختلفة، وتعامل معها وفق مبادئ العدل والوفاء بالعهود واحترام الكرامة الإنسانية. وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج في علاقاته مع يهود المدينة ونصارى نجران وغيرهم، حيث أقام معهم علاقات سلمية قائمة على الحقوق والواجبات المشتركة، دون أن يعني ذلك إقرار عقائدهم أو التنازل عن حقيقة الرسالة التي بُعث بها.

ومن هنا فإن الحوار مع أتباع الديانات الأخرى، أو اللقاء بقياداتها الدينية، أو البحث عن مساحات مشتركة لخدمة السلم الأهلي والحد من الصراعات، أمور لا تتعارض في أصلها مع الإسلام، بل قد تندرج ضمن مقاصده إذا بقيت منضبطة بثوابت العقيدة وأحكام الشريعة. غير أن الإشكال يبدأ عندما يُفهم هذا الحوار أو يُقدَّم على أنه اعتراف بتساوي الأديان في الحقيقة، أو أن جميع الطرق العقدية متكافئة في الهداية والنجاة، وهو معنى لا ينسجم مع التصور الإسلامي الذي يقرر بوضوح أن الرسالة المحمدية هي خاتمة الرسالات وأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده.

وفي هذا السياق، فإن العقيدة الأشعرية، التي تمثل أحد أبرز روافد أهل السنة والجماعة في العالم الإسلامي، لم تعرف يومًا مفهوم وحدة الأديان أو المساواة بينها من حيث الحقيقة العقدية، بل قررت ـ كسائر مدارس أهل السنة ـ أن الإيمان بخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وبما جاء به أصل من أصول الاعتقاد.

كما أن استعمال مصطلح "الأديان" في ذاته لا يثير إشكالًا شرعيًا، لأنه وصف لواقع موجود، وقد عرف التراث الإسلامي عبر عصوره الحديث عن الملل والنحل والأديان المختلفة. لكن الإشكال يتعلق بالدلالة المقصودة من هذا الاستعمال: هل هو مجرد توصيف للتعدد الديني في العالم، أم هو دعوة إلى إلغاء الفوارق العقدية بين الرسالات؟

لذلك فإن كثيرًا من الجدل الدائر حول البيت الإبراهيمي أو بعض مبادرات الحوار الديني لا يعود إلى رفض التعايش أو التواصل مع الآخرين، بل إلى الخوف من انتقال الخطاب من دائرة الاحترام المتبادل إلى دائرة الضبابية العقدية، حيث تختلط الحدود بين الاعتراف بحق الآخرين في الوجود والتعامل، وبين الإقرار بصحة معتقداتهم من منظور العقيدة الإسلامية.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الحوار ذاته، بل في المحافظة على التوازن الدقيق بين الانفتاح على الآخر والثبات على الأصول؛ فالإسلام يدعو إلى التعارف والتعاون على ما فيه خير الإنسانية، لكنه في الوقت نفسه يحفظ خصوصيته العقدية ويصون وضوح رسالته. ومن ثم فإن إزالة اللبس تقتضي التمييز بين التعايش الذي أقره الإسلام ومارسه عبر تاريخه، وبين التصورات الفكرية التي تسعى إلى تذويب الفوارق العقدية تحت شعارات الوحدة الدينية أو المساواة المطلقة بين الأديان.

حمادي سيدي محمد آباتي