لحراطين ..والبعث! حول العبودية ومحلفاتھا

بواسطة yahya



محمد الكوري ولد العربي.

قبل اثنتين و أربعين سنة، دخلت معاناة لحراطين و الأرقاء السابقين ، بوصفها إحدى أعظم القضايا الوطنية الكبرى، سجل النضال القومي  و الوطني لحزب البعث العربي الاشتراكي ، و اختار البعثيون عنوانا مميزا لطرح هذا المشكل :( البعث و لحراطين)؛ باعتبار الحزب يومها كان أنشط المفجرين للوعي المنظم داخل صفوف لحراطين.
و بعد مضي هذا التاريخ النضالي المشرف ، فضلت ، في هذا الموضوع،   العودة  لطرح هذا المشكل ، هذه المرة بعنوان مقلوب ( لحراطين و البعث)  لاعتبارين إثنين: الأول أن الوعي بتاريخ العبودية و بما ترتب عليه من مخلفات و معاناة قد انتشر داخل  مجتمعنا عموما   و داخل هذه المكونة الاجتماعية العربية خاصة؛ بخلاف ما كان  عليه الحال في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي.
و الاعتبار الثاني  أن قسما من لحراطين يستخف، حتى لا أقول يجحد، التاريخ النضالي للحركات السياسية ، و البعثيين خاصة، في سبيل تحرير العبيد و القضاء على العبودية في مجتمعنا، في ظل استقطاب سياسي موغل في التجاذبات السلبية بين نشطاء "متزنجين" من مكونة لحراطين، مع قوى النضال التحررية التاريخية التي كافحت على امتداد عقود ، منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي ، ضد الرق و مجتمعه، في طليعتها حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كافح ، إلى جانب  الحركة الماركسية و الناصرية ، لتحريك الواقع الاجتماعي الاسترقاقي ؛و هزوا أركان قيمه السلبية ، عبر خلق الوعي بقيمة الحرية لدى لحراطين و تحريضهم على الثورة على واقع العبودية و التبعية الاجتماعية للقوى التقليدية الرجعية، و حلفائها من  الأنظمة السياسية الاستبدادية ، الفاقدة للنهج و الرؤية الوطنيين. 
لكن النضال الوطني الموحد ضد العبودية-  الذي كان سائدا بوصفها، العبودية،  قضية إجماع لجميع الحركات الثورية-  عرف انتكاسة بعد الانفتاح السياسي 1991؛ عندما  أصبح هذا الموضوع منصة حقوقية ذات صلة بالمنظمات الدولية و لوبيات الضغط الأجنبية، و مدخلا سياسيا إلى السلطة و منافعها،  يسعى به النشطاء الحقوقيون من لحراطين لبسط  وصاية فئوية خالصة على هذا الملف، على اعتبار أنه موضوع خاص بفئة لحراطين دون غيرها من المجتمع،  و ليس يحق لغيرها التدخل فيه إلا في حدود ما يرسمه و يرتضيه النشطاء السياسيون من  لحراطين أنفسهم ؛ خاصة عندما غيروا النضال من عنوان الثورة ضد مظلمة العبودية و مخلفاتها إلى عنوان الثورة ضد الهوية العربية لمكونة لحراطين؛  فأصبح  الخلاص  في مقاربة هؤلاء الحقوقيين لحراطين، من أصحاب الميول الزنجية،  يكمن في الانفصال عن الهوية العربية ، بدلا من النضال ضد مخلفات الوضعيات التاريخية للاستعباد في إطار وحدة المجتمع العربي؛ و أصبح الإبتعاد ، بالنسبة لهؤلاء، عن القوى الوطنية التي ناضلت ، تاريخيا، ضد العبودية شرطا لازما لوعيهم بمعاناتهم، و شرطا للوصول لحقوقهم الفئوية،  كلما ابتعدوا أكثر ، في نظرهم، عن الهوية المشتركة مع المكونة العربية البيضاء؛ الأمر الذي عزل هذا الملف مجتمعيا و أظهره عنوانا سياسيا وظيفيا نفعيا، في ساحة وطنية و سياق  تاريخي تميزا، بفعل الممارسات المشوهة للسلطة من جانب الأنظمة الحاكمة،  بالمحاصصة القبلية و الإثنية لمنافع و مغانم الدولة، على مستوى التعيينات في مؤسسات السلطة  و التمثيل الانتخابي. 
لم يكن البعثيون، إذن،  عندما وضعوا  "البعث و لحراطين" عنوانا لنضالهم ،يومئذ، يسعون لأغراض سياسية أو غايات تكتيكية انتخابية؛  بل كانوا موفقين إلى أبعد الحدود في هذا العنوان المميز لحصر نطاق المعاناة من ظاهرة الرق في مجتمع لحراطين و المنحدرين من الأرقاء السابقين  دون غيرهم من أوجه مظالم المجتمع التاريخية الكثيرة  الأخرى. لقد كان مضمون (البعث و لحراطين)  أكثر المواقف دقة و صراحة و أوضحها صياغة  و جرأة في شأن النضال ضد العبودية؛ كما تجلى 
وعي البعثيين في إدراك حجم الهوة بين حجم التضحيات المبذولة و المطلوبة  للقضاء على ظاهرة العبودية  و بين هول المعاناة و تعقيد وضعية الضحايا؛ مما يتطلب  مضاعفة التضحيات على أكثر من صعيد؛ فلم يكن موقف البعثيين من ظاهرة العبودية، في سبعينيات القرن الماضي و ما تلاها، موقفا أخلاقيا صرفا فحسب، أو يكتفوا  بتسجيل موقف قيمي ينسجم مع جوهر الإنسانية؛ بل كان موقف نضال و معاناة عبر مواجهة قوى المجتمع و الصدام مع قوى الأنظمة في سبيل القضاء على هذه الظاهرة ، و إعادة الماهية الإنسانية للضحيا ؛ ذلك ما ميز فرادة موقف حزب البعث تاريخيا إزاء الظاهرة حين مزج بين نشر الوعي بين لحراطين و التصدي الميداني لقوى الرجعية خلال معمعان تجربته النضالية و ديناميتها  المتصاعدة كلما ارتقى المجتمع الموريتاني تدريجيا نحو الوعي الكامل بشرعية النضال السياسي و الاجتماعي لقواه التقدمية و التحررية و الالتحام في نضالها بجماهير لحراطين بهدف القضاء على الرق و مخلفاته. 
لقد انطلق حزب البعث العربي الاشتراكي في كفاحه ضد العبودية من المزج بين  المنهج الثوري  و المنهج العقلاني المدروس ، فكانت رؤيته في معالجة هذه الظاهرة تزاوج بين صيغة الاقتحام للمجتمع و الحساب  العقلي للنتائج بناء على التقدم  المرصود لمنسوب الوعي، ليس على مستوى الفئات الأخرى فحسب ، و إنما  أيضا على مستوى لحراطين أنفسهم، الذين كانوا يعانون من واقع أمية يكاد يكون شاملا، حمل كثيرا منهم ، في تلك الفترة، على  الانحياز للقوى الرجعية الاستعبادية في مواجهة القوى التقدمية و الانعتاقية. لقد  اعتمد البعثيون على ثلاثة مبادئ جوهرية : 
1- مبدأ المساواة  في الإنسانية بين جميع البشر و صيانة كرامتهم دون اعتبار للون أو عرق أو مكانة اجتماعية؛
2- مبدأ المقترحات العملية التي جمعت بين الحسنيين: مطالبة الأنظمة بقانون إلغاء الرق   و مصاحبته بالتدابير الاقتصادية الكفيلة بالتغيير الفعلي لحياة هذه الشريحة المغبونة تاريخيا. 
3- مبدأ المعاناة النضالية التنظيمية .
لقد كان نضال القوى الوطنية ضد الاسترقاق و العقليات المؤطرة له، في تلك الحقبة من ستينيات و سبعينيات القرن 20 متقدما جدا، خاصة في مجتمع متخلف للغاية في مجالي التعليم و التنمية الاقتصادية، مما يقتضي النزول إلى واقع الحراطين و الحياة بين قراهم و الوقوف على معاناتهم و مكابدة عيشهم؛  فكان نضالا مميزا إذا ما قورن بالأفكار التحررية في الشعوب الأوروبية في سياقها التاريخي. 
●  العبودية بمنظور فلسفي حداثي، بين كانط و هيغل.
فمثلما كانت العبودية ظاهرة إنسانية في المجتمعات البشرية كافة، كذلك تناول المفكرون و المصلحون و الحقوقيون في كل الشعوب طرق القضاء عليها؛  ففي شعوب الغرب، ما بعد عصر الأنوار  ، يمكن اتخاذ فيلسوفين ألمانيين عظيمين، يرجع إليهما الفضل في تأسيس منظومة فكر الحداثة عالميا و القيم الحقوقية خاصة،   مرجعين لرؤيتين متباينتين في النظر إلى مسألة العبودية و كيفية معالجتها:
الاول: أمانيل كانط( 1724-1804).
اعتبر كانط العبودية انتهاكا سافرا لجوهر الإنسانية و برهانا عمليا على هشاشة فطرة الإنسان و منافاة صارمة للعقل.
و انطلاقا من نسقه الفلسفي المؤسس على نزعته الإنسانوية و ما يسميه "الواجب الأخلاقي" ، أو روح القانون،  المكافئ الوظيفي للفضيلة القائمة بحراسة العقل، فقد رفض كانط  كل المبررات و المعاذير لوجود العبودية بين البشر، و دعا إلى إلغائها فورا...  و مع هذه النزعة الإنسانوية و الفلسفة الأخلاقية، لم يقدم كانط قيما عملية للقضاء على الرق في العالم ، على غرار  الإسلام الذي أقر مبدأ المساواة في الخلق و الكرامة بين البشر،  واتخذ خطوات عملية لتصفية الرق و فتح الأبواب واسعة للتحرر : فحرم أسباب استعباد الناس و لم يبق منها إلا على سبب الأسر في حرب جهادية مشروعة، مع منح الأسير بدائل للفكاك من هذا المصير عبر المن و الفداء. و جعل الإسلام العتق أفضل القربات إلى الله، و جعله كفارة لكثير من الذنوب،  منها القتل بالخطأ ، و كفارة الظهار و الحنث باليمين ، فضلا عن  المكاتبة، و هي شراء الحرية بالتقسيط...
لقد اكتفى كانط  بوضع الأسس الأخلاقية و القانونية الرافضة لاستعباد الإنسان للإنسان لما في الاستعباد من  تناقض مع العقل.  و بالرغم من هذه الفلسفة الأخلاقية و النزعة الإنسانية ،كان الفيلسوف أمانييل كانط عنصريا لونيا في بداية حياته الفكرية... فقد اعتبر، في كتابه "الجميل و الجليل"   السود  الأفارقة" بطبيعتهم لا يملكون إحساسا يدفعهم لتجاوز مستوى الخسة و الوضاعة؛ معتبرا أن التفاوت في القدرات العقلية بين السود و البيض هو بقدر التفاوت بين بشرة ألوانهم! .
الثاني: فريدريك هيغل(1770-1831)
انطلق هيغل ، من نسق فلسفي مرتكز على فكرة الصراع كمحرك للتاريخ البشري، معتبرا   العبودية، بالرغم من بشاعة ظلمها و منافاتها لمفهوم الحرية و كونها خلل إلا أنها مرحلة طبيعية تظهر فيها حقيقة الإنسان الصراعية ،  و ضرورة  في مسيرة تشكل و تطور الوعي البشري القائم على مرتكزين: الاستيعاب و التجاوز،  بوصفهما فعاليتان للعقل  و انعكاسا للعلاقات بين أفراد المجتمع، التي لا يحسم فيها إلا بالقوة. و من هنا، كان اهتمام هيغل بالتاريخ شديدا ، بخلاف كانط، لارتباطه بالتطور التدريجي للوعي، و ارتباط الأخير بالصراع ، الذي هو منشأ الحركة.  و هكذا ، دخلت العبودية، كغيرها من إشكاليات النسق الفلسفي الهيغلي،  ضمن الحركة الجدلية التي لا يمكن فهمها خارج نطاق التاريخ ، بوصفه حركة دائمة في تغير و تطور مستمر. فالعبودية، مثل نقيضها الحرية، ليست معطى طبيعيا صادرا عن فطرة بشرية أزلية و ثابتة ، بل هما ثمرتان من نتائج الصراع الطويل عبر التاريخ ، بعكس ما ذهب إليه كانط من أن الحرية تعني انسجام الإنسان مع فطرته السليمة، بينما نقيضها ( العبودية) انحراف عن هذه الفطرة  و تناقض مع العقل، مسفها ، في ذات الوقت، فكرة الصيرورة التاريخية للأشياء. 
لذلك، رأى هيغل أن العبودية ظاهرة بشرية في الأمم و الشعوب التي لم يتقدم فيها الوعي على نحو كامل، لكنها أيضا مضمون اجتماعي  - تاريخي، لا يمكن فهمه و لا هدمه إلا في سياق عملية الحركة و تطور مسار التاريخ ... و هنا ندرك أن العبودية عند هيغل ضرورة تاريخية و وجودية للحرية  ؛ لذا لا يمكن القضاء عليها فورا، و إنما تدريجيا وفق نظرية  الصراع بين السيد و العبد من أجل الاعتراف المتبادل، الذي هو المصير المشترك للإنسانية، و الذي على أساسه تأسست الدول الحديثة و المؤسسات القانونية و الحقوقية... 
و مع أن هيغل لم يؤثر عنه موقف عنصري ضد السود، كما هو حال كانط،  إلا أنه تأثر بالتصورات الأوروبية و روح المركزية الغربية في عصره؛ حيث رأى في كتابه ( محاضرات في تاريخ الفلسفة) أن الشعوب الإفريقية جنوب الصحراء " منطقة خارج التاريخ" ، و كان متبنيا لأطروحة هرمية الحضارات ؛ حيث وضع شعوب  إفريقيا في أسفل سلم التطور الإنساني.
و   على أساس هاتين الرؤيتين: الرؤية الأخلاقية و الإنسانوية لدى كانط و الرؤية الصراعية الجدلية عند هيغل، تتأسس العلاقات الدولية المستمرة اليوم ، ما بين مفاهيم قانونية و أخلاقية وجدت ترجمتها العملية في القوانين و الأعراف و المواثيق و المعاهدات و منظمات حقوق الإنسان الدولية، و بين ممارسات العنف و الحروب الجارية، بالرغم من قيم القانون الدولي و حقوق الإنسان  بين المجموعات و الدول في الساحة العالمية... و من هنا تولدت فكرة مفادها أن القانون أو الحق  لا يستغنيان عن القوة لحمايتهما، و فكرة القوة التي لا يمكن تركها من دون قانون يقيدها  و معايير أخلاقية تخفف من قسوتها، بمعنى أن العالم  يتأرجح  بين أطروحة كانط  الأخلاقية - الإنسانية  و أطروحة هيغل التاريخية - الواقعية!
● خاتمة القول إن  مناهضة العبودية و مخلفاتها ، انتقلت،- في بلدنا، من كونها نضالا حقوقيا تاريخيا و فضاء مشتركا بين جميع قوى التحرر الوطنية، في الثلث الأخير من القرن الماضي ، لمساعدة مجموعة وطنية على استرجاع كرامتها الإنسانية و التمتع بحقوقها الأساسية في دولة المواطنة و المساواة الاجتماعية؛ - انتقلت لتصبح أداة حصرية للتوظيف السياسي بيد ناشطين سياسيين من شريحة لحراطين ، و مجالا للتعبير عن إرادتهم السياسية ابتغاء تأسيس و تقنين واقع المحاصصة الفئوية، مستندين و مستقوين في هذا الطرح  على واقع مشوه من  المحاصصة القبلية و العرقية تمارسه الأنظمة الحاكمة للبلاد؛ مما عمق الفساد و كرس بيئته الاجتماعية و دفع لمزيد من الانقسام و التشرذم في المجتمع العربي الموريتاني،خاصة ، دون أن يكون في ذلك فائدة للحراطين، على أي مستوى.  إن هؤلاء الفئويين  السياسيون الحراطين يسابقون عقارب الساعة  لفرض واقع الانفصال بين مكونة لحراطين و البيظان العربيتين عبر حشر المجتمع العربي قسرا، دون غيره، في دائرة مغلقة على شعار  الصراع بين " العبيد و الأسياد" و السعي لنحت هوية موهومة "-  مفارقة" للأسس الثقافية و الحضارية و الآنتروبولوجية للهوية- قوامها مظالم تاريخية و خيال سياسي جامح يروي الفئويون من خلاله التاريخ، كما يرونه و يغتالون فيه الذاكرة الجمعية عن النضال الوطني الذي صنع الوعي بالتمرد وسط لحراطين على واقع الرق و بيئته الاجتماعية ! 
إن منظمات حقوق الإنسان ، في العالم و من حول بلدنا في إفريقيا جنوب الصحراء، قد ركزت جهودها على التجريم القانوني لهذه الممارسة الظالمة، و دفعت  الحكومات لتمكين الضحايا من خلق و اقتناء الثروة و إنشاء المشاريع  الصغيرة للفكاك من مخالب الفقر، و كسر حاجز الصمت المجتمعي على هذه الظاهرة بالتعليم و تنظيم حملات التوعية بوسائل التواصل الاجتماعي حول تاريخ و آثار العبودية؛  و بنت استيراتيجياتها على تراكم الوعي الاجتماعي ... و كل ذلك بأبعد منطق عن دفع الفئات الاجتماعية للصراع و الصدام، و بترفع كامل و نزيه عن التوسل بالمظالم الفئوية لنيل الحظوظ الفردية المادية أو السياسية أو الانتخابية، أو لمشاغلة الحكام... نظرا لوعي الجميع بخطر تفكك الدول على الجميع،  و باستحالة بناء دولة القانون و المواطنة و المساواة و استعادة الحقوق  بالخطابات  الشعبوية الفئوية و العرقية، أو بإلغاء ذاكرة  النضال التاريخي للشعوب و قواها المتنورة ...