لماذا تعجز المعارضة العربية والافريقية عن إقناع الجماهير وصناعة مشروع الدولة؟

بواسطة yahya

 

لم تعد أزمة العالم العربي وإفريقيا تكمن في بقاء الأنظمة السياسية وحدها، بل في عجز المعارضة عن أن تتحول إلى بديل تاريخي مقنع. فمن السهل أن تجد أحزابا ترفع شعارات الحرية والديمقراطية والإصلاح، ومن السهل أيضا أن تسمع خطابات نارية تهاجم السلطة وتكشف فسادها، لكن من الصعب أن تجد معارضة تمتلك مشروعا وطنيا يجعل المواطن يثق بأنها ستكون أفضل ممن تحكم اليوم.اعتادت المعارضة أن تفسر إخفاقها بالقمع، وتزوير الانتخابات، واحتكار الإعلام، وهي عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها، لكنها ليست التفسير الكامل. فلو كان القمع وحده كافيا لتفسير الفشل، لما استطاعت أي حركة تحرر أو حزب معارض في التاريخ أن يصل إلى السلطة. لقد أثبت التاريخ أن الفكرة القوية تستطيع أن تعبر الجدران، وأن المشروع المقنع يستطيع أن يصنع جمهورا حتى في أكثر البيئات استبدادا.

المعارضة ليست وظيفة سياسية، وإنما مشروع حضاري. إنها ليست مجرد رد فعل على السلطة، وإنما تصور مختلف للدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة. وحين تفقد المعارضة هذا المعنى، تتحول إلى كيان يعيش على أخطاء النظام، فإذا أصلح النظام بعض أخطائه فقدت المعارضة مبرر وجودها.المشكلة الأولى أن كثيرا من المعارضات العربية والإفريقية لا تعرف نفسها إلا من خلال خصومها. فهي تعيش بمنطق "نحن ضد النظام، لكنها نادرا ما تجيب عن سؤال أكثر أهمية ماذا سنبني بعد سقوط النظام؟ وكيف ستكون الدولة؟ وما هو نموذج التنمية؟ وكيف ستدار العدالة؟ وما هو تصورها للعلاقة بين الدين والسياسة، وبين القبيلة والدولة، وبين السوق والعدالة الاجتماعية؟،إن غياب الإجابة عن هذه الأسئلة يجعل المعارضة تبدو وكأنها مشروع لإزالة الحاكم، لا مشروع لإعادة بناء الوطن.

كان الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي يرى أن السلطة لا تقوم على القوة وحدها، بل على الهيمنة الثقافية، أي على قدرة النخبة على جعل أفكارها تبدو طبيعية ومقبولة لدى المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن المعارضة لا تنتصر لأنها تملك شعارات أكثر، وإنما لأنها تستطيع أن تنتج وعيا جديدا. وهذا ما تفتقده معظم المعارضات العربية والإفريقية؛ فهي تدخل المعركة السياسية دون أن تخوض معركة الوعي، فتظل تدور داخل المفاهيم التي صنعتها السلطة نفسها.أما ميشيل فوكو فقد أوضح أن السلطة ليست شخصا يجلس في القصر الجمهوري، بل شبكة من العلاقات والمؤسسات والخطابات. ولذلك فإن إسقاط الرئيس لا يعني بالضرورة إسقاط النظام. ولهذا رأينا دولا تغير فيها الحكام، بينما بقيت البنية السياسية والإدارية والثقافية كما هي. لقد تغيرت الوجوه، لكن العقل الذي يدير الدولة لم يتغير.ولهذا تخطئ المعارضة حين تختزل السياسة في شخص الحاكم، لأن المشكلة الحقيقية تكمن في بنية الدولة، وفي الثقافة السياسية، وفي الاقتصاد الريعي، وفي غياب المؤسسات. وعندما تصل المعارضة إلى السلطة وهي تحمل العقل نفسه الذي كانت تنتقده، فإنها تعيد إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة.ومن ناحية أخرى، تعاني كثير من الأحزاب من فقر أيديولوجي واضح. فالأيديولوجيا ليست شعارات محفوظة، بل إطار فكري يجيب عن الأسئلة الكبرى من نحن؟ إلى أين نريد أن نصل؟ وما الوسائل التي سنستخدمها؟ لكن كثيرا من الأحزاب أصبحت تجمعا انتخابيا بلا فلسفة، أو ناديا للنخب السياسية، أو منصة موسمية للاحتجاج، ولذلك تنهار بمجرد تغير الظروف.

وتوجد معارضات تمتلك أيديولوجيا واضحة، لكنها تعيش في عزلة عن المجتمع. تتحدث بلغة أكاديمية معقدة، بينما المواطن يبحث عن حلول لمشكلاته اليومية. إن السياسة ليست امتحانا في الفلسفة، وإنما قدرة على ترجمة الأفكار إلى سياسات يشعر الناس بنتائجها في حياتهم.لقد أدرك يورغن هابرماس أن الشرعية الحديثة لا تقوم فقط على الانتخابات، بل على التواصل العقلاني مع المجتمع. فالسياسي الذي لا يستطيع إقناع الناس بالحجة يفقد جزءا من شرعيته، حتى لو امتلك برنامجا ممتازا. وهنا تقع المعارضة في مأزق مزدوج؛ فهي لا تمتلك أدوات إعلامية مؤثرة، وفي الوقت نفسه لا تطور خطابا يستطيع منافسة خطاب السلطة.

وفي إفريقيا والعالم العربي يظهر عامل آخر أكثر تعقيدا، وهو هيمنة الولاءات التقليدية. فما زالت القبيلة والطائفة والجهة والعائلة في كثير من الأحيان أقوى من الحزب السياسي. ولذلك فإن المواطن قد يصوت لابن قبيلته، لا لأنه مقتنع ببرنامجه، بل لأنه يمثل هويته الاجتماعية. وهنا تتحول السياسة من منافسة بين المشاريع إلى منافسة بين الانتماءات.وتزداد الأزمة عندما تستسلم المعارضة لهذا الواقع، فتتحول هي الأخرى إلى تنظيمات قبلية أو طائفية مقنعة بشعارات وطنية. وعندها تفقد رسالتها التاريخية، لأنها تصبح جزءا من المشكلة لا جزءا من الحل.كما أن المعارضة تعاني من أزمة أخلاقية لا تقل خطورة عن أزمتها الفكرية. فهي تطالب بالديمقراطية لكنها لا تمارسها داخل أحزابها، وتنتقد الزعيم الأبدي بينما قياداتها تبقى في مواقعها لعشرات السنين، وتندد بالفساد بينما تغيب الشفافية عن هياكلها التنظيمية. وعندما يرى المواطن هذا التناقض، يفقد ثقته في الجميع.إن الجماهير لا تبحث عن معارضة كاملة، لكنها تبحث عن معارضة صادقة. تريد أن ترى نموذجا مختلفا في السلوك قبل أن تسمع برنامجا مختلفا في الخطاب.ومن أخطر الأخطاء أن كثيرا من المعارضات اختزلت السياسة في إسقاط الأنظمة، بينما أهملت بناء الإنسان. لم تستثمر في التعليم، ولا في إنتاج المعرفة، ولا في إعداد القيادات، ولا في بناء مراكز الدراسات، ولا في صناعة الرأي العام. ولذلك بقيت رد فعل على الأحداث، لا قوة تصنع الأحداث.

إن المعارضة الحديثة ليست حزبا سياسيا فقط، بل منظومة متكاملة تضم الباحث، والكاتب، والفنان، والجامعة، ومراكز التفكير، والإعلام المستقل، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني. فكل تجربة سياسية ناجحة سبقتها ثورة في الأفكار قبل أن تتحول إلى ثورة في المؤسسات.إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تفشل المعارضة؟ بل لماذا ما زلنا نعتقد أن المعارضة هي مجرد الوجه الآخر للسلطة؟ فالمعارضة التي لا تنتج معرفة جديدة، ولا تبني مؤسسات، ولا تربي قيادات، ولا تراجع أخطاءها، لن تستطيع أن تصنع مستقبلا مختلفا، حتى لو وصلت إلى الحكم.قد أثبت التاريخ أن سقوط الأنظمة أسهل بكثير من بناء الدول، وأن إسقاط الحاكم لا يعني ميلاد الديمقراطية، وأن الانتخابات ليست نهاية الطريق، بل بدايته. وما تحتاجه إفريقيا والعالم العربي اليوم ليس معارضة أكثر صخبا، بل معارضة أكثر وعيا، وأكثر قدرة على إنتاج الأفكار، وتحويلها إلى مؤسسات، وإقناع الناس بأن السياسة ليست معركة للاستيلاء على السلطة، وإنما مسؤولية أخلاقية لبناء الإنسان والدولة.

إن الخلل، في جوهره، لا يكمن في ضعف الخطاب وحده، ولا في غياب الأيديولوجيا وحدها، بل في غياب المشروع الحضاري الذي يجعل المواطن يشعر بأن المستقبل مع المعارضة سيكون أفضل من الحاضر مع السلطة. وما لم تنجح المعارضة في صناعة هذا الأمل، فإنها ستظل تدور في الحلقة نفسها: تعارض اليوم، وتخسر غدا، ثم تعود لتكرر الخطاب ذاته، بينما يستمر الواقع في إعادة إنتاج أزماته.

#زكريا_نمر