موريتانيا بين الهوية العربية وواقع افريقيا

بواسطة yahya

موريتانيا… بين هوية العروبة وواقع إفريقيا

منذ أن أعلن المختار ولد داداه قيام الدولة الموريتانية سنة 1960، كان السؤال الأول والأكثر إلحاحًا: إلى أين ننتمي؟ هل نحن عرب الصحراء الذين يشدون الرحال إلى المشرق، أم إفريقيون من ضفة النهر نمد أعناقنا نحو داكار وباماكو؟
هذا السؤال لم يكن مجرد جدل ثقافي، بل كان معركة وجود، لأن موريتانيا وُلدت في مساحة رمادية بين عالمين، كلاهما ينكرها أحيانًا ويدّعيها أحيانًا أخرى.

العروبة… الحلم الذي لم يكتمل

محمد يحظيه كتب يومًا: “أردنا أن نكون عربًا كاملي الدسم، لكننا اكتشفنا أن العروبة في زمن النفط لا توزّع شهادات ميلاد.”
الموريتانيون تعلموا القرآن بالعربية، وحملوا الشعر الجاهلي في صدورهم، وأرسلوا أبناءهم إلى الأزهر وبغداد ودمشق. لكنهم حين طرقوا أبواب الجامعة العربية، قوبلوا ببرود، وكأنهم ضيوف غرباء على مأدبة مكتظة.
العروبة كانت حلمًا جميلاً، لكنها لم تُترجم إلى قوة اقتصادية أو سند سياسي في أوقات الأزمات.

الإفريقية… الجغرافيا التي لا تُنكر

من ضفة النهر، يطل واقع آخر: نحن إفريقيون شئنا أم أبينا.
الحدود مع السنغال ومالي ليست مجرد خطوط على الورق، بل جسور من دم وحياة وتاريخ.
لكن موريتانيا دخلت الاتحاد الإفريقي مترددة، وكأنها تخشى أن يُسلب منها وجهها العربي.
“نحن مثل من يقف بقدم في الخيمة وأخرى في النهر، يخشى أن يسقط في الاثنين معًا.”

التوازن المستحيل

محمد فال ولد بلال – ببرود الدبلوماسي – يلخص المسألة: “موريتانيا ليست في حاجة للاختيار بين العروبة والإفريقية، بل في حاجة لصياغة هوية مركبة تعترف بكليهما.”
لكن المشكلة أن الدولة لم تستطع أن تحسم المسألة، وظلّت تمارس سياسة “الرقص على الحبلين”: بيانات قومية في الصباح، واتفاقيات إفريقية في المساء.
هذا التذبذب جعلها تفقد ثقة الجانبين؛ العرب رأوها بلدًا هامشيًا، والأفارقة اعتبروها مترددة في الانتماء.

اليوم… في 2025

بعد ستة عقود، لم يحسم الجدل.
المدرسة ما تزال تدرّس العربية والفرنسية جنبًا إلى جنب، الإعلام يتنقل بين خطاب قومي وآخر إفريقي، والسياسة الخارجية تسير بخطى موزونة على حافة التناقض.
لكن الجيل الجديد – جيل الإنترنت – بدأ ينظر للأمر ببراغماتية أبسط:
• إذا كانت العروبة تمنحنا سندًا ثقافيًا، فلنأخذها.
• وإذا كانت الإفريقية تمنحنا سندًا اقتصاديًا، فلنستثمرها.
المسألة لم تعد عاطفة، بل مصلحة.

الخلاصة

موريتانيا وُلدت بين عالمين، ولن تستطيع أن تلغي أحدهما.
العروبة جذور، والإفريقية جغرافيا.
الذكي من القادة هو من يدمج الاثنين في مشروع وطني جامع، بدل أن يجعل منهما ساحة شدّ وجذب.
كما قال محمد يحظيه: “المشكلة ليست أن نكون عربًا أو إفريقيين… المشكلة أننا لم ننجح بعد في أن نكون موريتانيين.”

✍️ الوريث – محمد يحظيه