ما الذي تبقى من عمر موريتانيا؟
في إطار السباق المحموم لتدمير البلاد ، بأيدي الموريتانيين، علمت أن الجهات العليا تخطط لجعل الباكلوريا شهادة جهوية على غرار شهادة الإعدادية ؛ حيث ستعمل كل جهة على " إنجاح" أكبر عدد منها و من قبائلها في الباكلوريا... و حيث تتمكن كل مدرسة خصوصية من شراء مواضيع المسابقات، في ولايتها، لتصنع لنفسها هالة دعائية مزيفة بغض النظر عن المستوى الفعلي لتلاميذها!
. قبل سنوات، و تحديدا في السنة الدراسية 2020-2021، أسرت إلي سيدة ، من ذوي الدخل المتدني في تفرغ زينه، أنها عبأت ثلاثمائة ألف أوقية قديمة مكافأة لأحد أساتذة الفيزياء المميزين مقابل حل أسئلة الباكلوريا العلمية لإبنتها في مادة الفيزياء فقط... و لما عنفتها في الموضوع ردت علي بأن هذا هو المعمول به في موريتانيا ، و أن المتفوقين بمعدلات باذخة هم من يحصلون على فرص الاختصاصات العلمية الجيدة، و أصبح الأثرياء يشترون هذه المعدلات لأبنائهم من الأساتذة بهذه الطريقة... ليصبح أطباء الشعب ، غدا، و مهندسوه و معلموه و أساتذته و طياروه و ضباط مؤسسته العسكرية و الأمنية ... و قادة اقتصاده و قادة رأيه و سياسته و رجال إدارته الإقليمية ( حكاما و ولاة) ... ممن اشترينا لهم التفوق في المسابقات الوطنية بريع المال العام المسروق و عوائد تجارة حبوب الهلوسة و الأدوية الفاسدة...! إنها إحدى تجليات التدمير الممنهج للبلاد، الذي يتكشف في ظاهرة أخرى لا تقل خطورة و لا تنقص عارا و تدميرا ؛ و هي استخلاف الضباط ، عند تقاعدهم، لأبنائهم في المؤسسة العسكرية... فأصبح مألوفا في أحاديث العامة أن كل ضابط يصر، قبل تقاعده، على أن يدخل ابنه أو أبناءه، مهما كان مستواهم الدراسي و الأخلاقي، في مدرسة تكوين الضباط سواء عبر مسابقة صورية أو بإدراجهم في قائمة الناجحين ضمن حصة محجوزة مسبقا لكبار الضباط و من له حظوة عندهم من المدنيين... و من ثم يرسلونهم إلى الخارج على حساب الدولة في دورات تكوينية، بلا رصيد معرفي و لا تربية أخلاقية، في الغالب، ليعودوا بأنجم تلمع على مناكبهم و صدورهم، فيحكمون البلاد بلا ضمائر وطنية و لا مؤهلات علميةو لا عسكرية ! فإذا أضفنا إلى احتكار الضباط و كبار المتنفذين للمؤسستين العسكرية و الأمنية، و احتكار سراق المال العام و باعة المهلوسات و الأغذية الفاسدة و الأدوية المغشوشة للمتفوقين في الشعب العلمية عبر شراء "حلول المسابقات الوطنية " لأبنائهم... و أضفنا تدمير وزارة الصحة للبلاد بالتغاضي عن مستوردي الأدوية المغشوشة أو منتهية الصلاحية، و تدمير وزارة المياه للبلاد باستيراد التوصيلات المغشوشة التي تشتريها كل سنة... فتنفجر و تضيع آلاف المترات المكعبة من المياه في الشوارع المكتظة بالأقذار... فيما سكان العاصمة يهربون منها بسبب العطش، بينما تضيع، سدى، ملايين مئات المترات المكعبة من المياه المطرية سنويا ... و إذا أضفنا تدمير وزارة التجارة للبلاد بإغماض عين الرقابة عن استيراد التجار للأغذية منتهية الصلاحية و ملايين السموم من الأعاصير و المعلبات الفاسدة التي تسببت في هلاك عشرات الآلاف من الموريتانيين بأنواع السرطان و فشل الكلى و تليف الكبد ... و أضفنا تدمير وزارة التنمية الريفية التي تترك ملايين الرؤوس من أنواع الحيوانات بلا مردود اقتصادي على البلاد نتيجة إهمال المراعي و غياب مياه السقي في فترة الصيف و انعدام المحميات الرعوية السيتراتيجية ... مما يضطر هذه الثروة الحيوانية الهائلة للخروج من البلاد معظم أشهر السنة إلى السينغال و مالي ؛ الأمر الذي يعرضها ، هي و ملاكها، لكثير من المخاطر و الابتزاز! و إذا أضفنا تدمير و زارة الصناعة بغياب أي دور ذي بال من جانبها للاستثمار في تثمين المنتجات الحيوانية( الألبان، الجلود، قرون الأبقار، الأزبال، العظام، إهمال الاستفادة من الأفاعي و الثعابين... و أضفنا تدمير وزارة الصيد للبلاد بتدمير ثروتها السمكية العظيمة و تركها بأيدي مختلف سفن العالم تسرح و تمرح في مياهنا الإقليمية، دون رقابة و لا رادع، فيما أصبح الموريتاني لا يقدر على شراء ١٠٠ غ من أردإ نوعيات السمك! و إذا أضفنا تدمير وزارة الزراعة للبلاد بإهمالها للآلاف من الأراضي الزراعية بلا استصلاح، و كثير من الأودية الكبيرة بلا سدود و لا تعويق للمياه المتدفقة منها كل خريف...
و إذا أضفنا تدمير وزارة المعادن للبلاد بترك الشركات العالمية تعبث بالثروات المعدنية و ترمي نفاياتها من سموم المعالجة على نحو ما يطيب لها... فأهلكت بها أنواع الحياة و باتت البيئة الوطنية برمتها، برا و بحرا ،في خطر ماحق! و إذا أضفنا التطبيع المجتمعي مع نهب أموال البلاد و تفشي صنوف الفساد و اعتماد الفاسدين ولاة أمور ... و تصدرهم في الصفوف الأمامية بكل الواجهات ؛ و إعادة تدويرهم و مكافأة من ثبتت وقاحته في السرقة و امتهان كرامة الناس بأعلى المواقع و أشهى المؤسسات... فما الذي تبقى من عمر موريتانيا الحالية؟ و ما الذي ينتظره من لا وطن لهم إلا موريتانيا؟ و كم تبقى من الوقت لينقض المتآمرون الإقليميون و الدوليون على بلادنا... فيمزقونها بأكثر من عنوان !
محمدالكوري العربي