هناك طريقة شائعة في التعامل مع تاريخ الفلسفة تقوم على تحويل الفلاسفة إلى أسماء مقدسة. نقرأ سقراط وأفلاطون وأرسطو وديكارت وكانط وهيغل وماركس ونيتشه وكأن كل واحد منهم وصل إلى الحقيقة من موقع أعلى من الإنسان العادي. نختلف بينهم، نعم، لكننا نادرا ما نضعهم أمام السؤال الذي وضعوه هم أمام غيرهم: هل يمكن أن تكون الفكرة خاطئة؟. الفلسفة التي تفقد قدرتها على نقد أصحابها تتحول إلى تاريخ للعقائد، لا إلى ممارسة للعقل.الفيلسوف مهما بلغت عبقريته يظل ابن عصره. يحمل تحيزات زمنه، وحدود معرفته، ومخاوف مجتمعه، وأحيانا تناقضاته الشخصية. لذلك فإن قراءة الفلسفة باعتبارها مجموعة من النصوص المقدسة تقتل أهم ما فيها: الشك.أفلاطون، مثلا، ترك أثرا هائلا في تاريخ الفكر السياسي، لكنه قدم في الجمهورية تصورا سياسيا يمكن أن يثير أسئلة صعبة حول الحرية والتعددية. فكرة أن يتولى الحكم فلاسفة يعرفون الخير أكثر من عامة الناس تفتح الباب أمام سؤال خطير من يقرر من هو الفيلسوف القادر على الحكم؟ ومن يراقب من يدعي امتلاك المعرفة؟ عندما تصبح المعرفة مبررا لاحتكار السلطة، يمكن للفلسفة نفسها أن تتحول إلى غطاء للنخبوية السياسية.
أرسطو أيضا، رغم مساهمته الضخمة في المنطق والسياسة والأخلاق والعلوم، لم يكن خارج حدود عصره. بعض تصوراته حول المجتمع والعبودية والمرأة تعكس بنية اجتماعية لم تكن ترى الإنسان باعتباره متساويا في الحقوق والقدرة على المشاركة. عظمة أرسطو الفكرية لا تعني أن كل ما كتبه صحيح، ولا تجعل أخطاء عصره حقائق فلسفية. و أحيانا يريد أن يحافظ على صورة الفيلسوف العبقري أكثر مما يريد أن يفحص أفكاره. ديكارت أعاد بناء المعرفة من خلال الشك، ووضع العقل في مركز مشروعه الفلسفي. لكن المشروع الديكارتي نفسه لم يكن نهاية المشكلة. فالقول إن العقل هو نقطة الانطلاق لا يحل تلقائيا مشكلة العلاقة بين العقل والجسد، ولا يجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة بمصادر المعرفة وحدودها.وكانط قدم واحدة من أكثر المحاولات تأثيرا لفهم حدود العقل، لكنه أيضا لم يكن محصنا من تصورات مرتبطة بعصره. بعض كتاباته حول الشعوب والأعراق تكشف أن صاحب مشروع أخلاقي عالمي لم يتخلص تماما من التصورات العنصرية الموجودة في أوروبا القرن الثامن عشر. وهذه ليست ملاحظة هامشية؛ لأنها تذكرنا بأن الفيلسوف الذي يكتب عن الإنسان باعتباره غاية في ذاته يمكن أن يحمل في الوقت نفسه تصورات تناقض هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بأشخاص ينتمون إلى جماعات أخرى.
هيغل قدم فلسفة ضخمة للتاريخ، ورأى التاريخ باعتباره حركة جدلية تتطور فيها الروح والحرية. لكن تحويل التاريخ إلى مسار له اتجاه ومعنى قد يجعل الفلسفة تقع في مشكلة كبيرة: ماذا يحدث عندما يصبح الواقع مختلفا عن النموذج الذي وضعناه له؟ وهل كل ما يحدث في التاريخ ضروري لمجرد أنه حدث؟ ماركس بدوره قدم نقدا قويا للرأسمالية والاستغلال، وأثر بصورة عميقة في السياسة والاقتصاد والاجتماع. لكن بعض التجارب السياسية التي رفعت اسمه إلى مستوى العقيدة كشفت أن تحويل النظرية إلى مشروع سياسي مغلق يمكن أن ينتج سلطة جديدة باسم تحرير الإنسان. لا يمكن تحميل ماركس وحده مسؤولية كل ما فعلته الأنظمة التي رفعت شعاراته، لكن لا يمكن أيضا إعفاء التراث الماركسي من النقد عندما تتحول بعض أفكاره إلى يقين سياسي لا يقبل المراجعة.أما نيتشه، فقد أصبح في الثقافة المعاصرة رمزا للتمرد على القيم التقليدية، لكن صورته كثيرا ما اختزلت في اقتباسات قصيرة عن القوة والنجاح والتميز. هكذا جرى تحويل فيلسوف شديد التعقيد إلى مجموعة من العبارات الجاهزة التي تستخدم أحيانا لتبرير الفردانية أو احتقار الضعف. المشكلة ليست في نيتشه وحده، بل في الطريقة التي يقرأ بها المثقف نصا فلسفيا: ينتزع منه الجملة التي تخدم موقفه ويترك المشروع الفكري كله.حتى الفلاسفة الذين جعلوا الشك منهجا لم ينجوا من التناقضات. وهذا ليس عيبا استثنائيا في الفلسفة؛ بل هو جزء من طبيعتها. المشكلة تبدأ عندما نحاول إخفاء هذه التناقضات لأننا نريد الاحتفاظ بصورة مثالية عن صاحب الفكرة. الفلاسفة ليسوا آلهة عقلانية. هم بشر يفكرون داخل ظروف تاريخية محددة. قد يقدمون أفكارا تتجاوز عصرهم، وفي الوقت نفسه يعجزون عن تجاوز بعض تحيزاته. وقد يفتح الفيلسوف بابا للتحرر في مجال، ويغلقه في مجال آخر.لهذا لا ينبغي أن تكون مهمة قارئ الفلسفة أن يسأل فقط ماذا قال الفيلسوف؟ بل عليه أن يسأل أيضا: لماذا قال ذلك؟ وما الذي لم يستطع رؤيته؟ وما الافتراضات التي أخذها كأنها حقائق؟ ومن استفاد من هذه الفكرة؟ ومن تضرر منها؟
المشكلة في الثقافة ليست وجود أخطاء الفلاسفة، وإنما الخوف من الاعتراف بها.فالمثقف الذي يدافع عن فيلسوفه المفضل كما يدافع المؤمن عن عقيدته لم يتعلم من الفلسفة شيئا مهما. والفيلسوف الذي يصبح ممنوعا من النقد يتحول إلى صنم، والقارئ الذي يخشى نقده يتحول إلى تابع.الفلسفة لا تحتاج إلى أصنام جديدة. تحتاج إلى قارئ يستطيع أن يقول لسقراط قد تكون مخطئا. ولأفلاطون مدينتك المثالية قد تكون سجنا. ولأرسطو: عبقريتك لا تبرر تحيزاتك. ولكانط مشروعك الأخلاقي لم يمنعك من أخطاء عصرِك. ولماركس نقدك للرأسمالية لا يجعل كل بديل صحيحا. ولنيتشه التمرد على القيم لا يعني أن كل قيمة يجب أن تسقط.هذه ليست إهانة للفلاسفة، بل احترام حقيقي للفلسفة.لأن أعظم درس يمكن أن نتعلمه من تاريخ الفلسفة هو أن لا أحد يملك الحق في احتكار الحقيقة، حتى أولئك الذين كرسوا حياتهم للبحث عنها.
#زكريا_نمر




