فم لكليتھ : حين تكون التنمية من أجل الإنسان

بواسطة yahya

فم لكليته حين تكون التنمية من أجل الإنسان 
ليست قضية "فم لكليه" مجرد نزاع عقاري حول ملكية أراضٍ، ولا هي خلاف عابر بين مزارعين تقليديين ومشروع استثماري؛ بل هي، في جوهرها، مسألة تمس فلسفة الدولة الحديثة ونظرتها لكرامة مواطنيها: كيف تتصرف الدولة حين تتقاطع — أو يلوح في الظاهر أنها تتقاطع — دواعي التنمية الاقتصادية مع حقوق السكان الأصليين المرتبطين وجدانياً وجغرافياً بالفيء والمجال؟
إن الدولة الحديثة لا تُقاس عظمتها بحجم البنى التحتية التي تشيدها، ولا بمساحات الأراضي التي تستصلحها، ولا بقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال فحسب؛ وإنما تُقاس، قبل كل شيء، بقدرتها على جعل الإنسان المحور والغاية لكل مشروع. التنمية الحقيقية هي التي تأتي لتطوير شروط حياة المواطن، لا لتجعله ضحيةً لإعادة ترتيب الجغرافيا وفق حسابات المشاريع.
وهذا المبدأ يتطلب توازناً خلاقاً: فليس للمواطن أن يعطل المصلحة العامة تعصباً لمصالحه الخاصة، كما أنه ليس للدولة — باسم المصلحة العامة — أن تتجاوز الحقوق الأصيلة لمواطنيها. إن العلاقة السوية بين الطرفين ليست مساحة للتقاطع والتغالب، بل هي تكامل عضوي في الحقوق والواجبات؛ تحمي فيه الدولة المواطن وتفتح أمامه آفاق العيش الكريم، بينما يحترم المواطن القانون ويسهم بإيجابية في إنجاح التنمية.
ومن هذا المنظور الإنساني والمواطني تحديداً، ينبغي أن تُقرأ قضية سكان "فم لكليه".
أرضٌ تجسد الحياة: أكثر من مجرد مورد
لم تكن علاقة سكان المنطقة بأرضهم وليدة مشروع استثماري طارئ، ولا بدأت مع السد ولا بحلول صونا دير ولا شركة قصب السكر، بل هي جذر ضارب في عمق التاريخ؛ كانت فيه الأرض مهد الاستقرار ومصدر الوجود وذاكرة المجتمع.
لقد عاش سكانها مئات السنين قبل وجود الدولة الحديثة يمارسون الزراعة المطرية في السهول، قبل أن ينتقلوا مع انحسار المياه إلى الزراعة الفيضية في الواد الاخضر. كان هذا النمط يشكل بيئة متكاملة تتناغم فيها الزراعة والرعي والرصيد الشجري، لتؤمن للمجتمع أمنه الغذائي والاجتماعي. لم تكن الأشجار والموارد مجرد تفاصيل في مشهد طبيعي، بل كانت العصب الحيوي لاقتصاد محلي قائم بذاته.
وحين حل مشروع السد، دخلت المنطقة مرحلة جديدة أمل منها السكان التحول نحو زراعة حديثة ومؤطرة. وقد استجابت الساكنة لهذا التحول بإيجابية وسلاسة، انطلاقاً من ثقتها في تعهدات الدولة وضماناتها بشأن مستقبل الملاك وأراضيهم.
من الوعود الأولى إلى مرارة التجربة
قام الاتفاق الأول عام 1981 مع الملاك العرفيين على التنازل عن الأراضي لصالح المشروع، مقابل استصلاح مناطق خاصة بهم وبالمستوطنين الجدد، على أن تتولى شركة "صونادير" إدارة الأراضي ثم إعادتها لأصحابها بعد انتهاء مداها.
غير أن الانتقال الفجائي نحو زراعة الأرز — وهي نمط غريب عن الخبرة التاريخية والنمط الغذائي للسكان — واجه عقبات هيكلية عميقة. وفي غياب التأطير الفعال، والتدريب المستمر، وآليات التسويق والتمويل المنصفة، وجد المزارعون أنفسهم غارقين في دوامة الديون. وأدى هذا التعثر التدريجي إلى هجر الزراعة وانكفاء المشروع، لترحل "صونا دير" تخلّف وراءها أرضاً متدهورة ومزارعين يحملون ذاكرة ثقيلة من الخيبة.
إن إعادة قراءة هذه المحطة ليست محاكمة للماضي ولا فتحاً لخصومة مع مؤسسة غادرت، بل هي استخلاص لدرس تنموي بليغ: أن التنمية لا تكتب لها الحياة بتوفير التمويل والعتاد فقط، ما لم يُجعل الإنسان الذي يُفترض أن يحمل المشروع في مرتبة صدارة واهتمام توازي المشروع نفسه.
تجربة شركة السكر: الاستعداد الدائم للشراكة
عندما أُعلن عن مشروع قصب السكر، لم يقف المزارعون موقف الرفض العدائي للاستثمار، بل أبدوا مرونة عالية وقبلوا بتأجير أراضيهم من خلال تعاونياتهم. وتلك محطة تتطلب التوقف عندها، لأنها تدحض الصورة النمطية التي تطمس إيجابية المزارع ورغبته في التطور.
غير أن التعثر التعاقدي وتوقف التعويضات أعادا الملف إلى نقطة الصفر. واليوم، لا يبحث السكان عن تصعِيد الخصومة، بل يطالبون بمسألة بسيطة وعميقة في آن واحد: الشفافية، احترَام العقود، وتوضيح الالتزامات. فالدولة الحديثة مؤسسة عابرة للأشخاص، وعقودها وتعهداتها تتسامى عن التغيرات الإدارية والمزاجية.
الترحيل أم التكميل: المعنى الحقيقي للمكان
أمام توجهات الدولة الراهنة لإعادة استصلاح الأراضي، يطرح السكان سؤالاً هادئاً ومشروعاً: لماذا يلجأ الخيار التنموي إلى اقتلاع المواطنين ونقلهم إلى أراضٍ بديلة، بدلاً من جعل استصلاح أراضيهم الأصلية جزءاً من الحل؟
إن نقل مزارع استقر في موطنه لعقود لا يعني مجرد تغيير إحداثيات جغرافية على الخريطة. فالإنسان حين ينتقل، ينتقل بمدرسته، وبيته، وعلاقاته الاجتماعية، وأمنه النفسي، ونمطه الاقتصادي. الأرض بالنسبة للمواطن ليست مساحة صماء في مخطط هندسي، بل هي مكان حياة. والأرض البديلة لا تكون بديلاً حقيقياً إلا إذا حظيت بنفس شروط الحياة والاستقرار.
لماذا لا تُستثمر خبرة المزارعين وتراكماتهم كعنصر نجاح للمشروع الجديد؟ ولماذا يُنظر للمزارع كعائق أمام الاستثمار بينما هو الحليف الأول له؟ إن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل السؤال من "من يستحوذ على الأرض؟" إلى "كيف نجعل الدولة والمستثمر والمزارع شركاء في تنمية واحدة؟".
أمل لم ينقطع. ودعوة للحوار
إن أكثر ما يُحمد لسكان "فم لكليه" هو أن سنوات التعثر لم تفقدهم الثقة في دولتهم. إن تمسكهم بالأمل ليس مظهر ضعف، بل هو إيمان أصيل بمفهوم الدولة الراعية التي تضمن العدالة وتستوعب المصالح المتعارضة في تسوية منصفة.
إن السكان لا يطلبون امتيازاً خاصاً، بل يطالبون بأن يكونوا شركاء في التنمية، لا مجرد رقم يتم تحريكه لإنجاح المخططات. وأفضل طريق لتحقيق ذلك هو جلسات تفاوض جادة وحضارية:
مرحلة التوافق الأولية: جلسة حوار تؤكد حسن النوايا، وتستمع لرؤية الدولة واحتياجات السكان، وتراجع الاتفاقات السابقة لتأسيس آلية عمل مشتركة.
المرحلة التفصيلية: صياغة وثيقة عمل تناقش التعويضات، وضعية العقارات، أولوية التشغيل المحلي، وتطوير الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وماء وثروة كهربائية.
خاتمة
تشكل قضية "فم لكليه" فرصة سانحة لتأسيس نموذج ملهم في بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها؛ نموذج يثبت أن الدولة القوية قادرة على حماية الاستثمار وتشجيعه دون أن تفرط في كرامة المواطن أو تنتزع جذوره.
فالدولة والمواطن ليسا خصمين، بل هما طرفا العقد الوطني الكبير. إن رسالة أهل "فم لكليه" تختصر فلسفة التنمية التفاعلية:
يقولون للدولة: «أمنوا الأرض واستصلحوها، لكن لا تجعلوا الإنسان ثمنًا للتنمية.»
ويقولون للمستثمر: «تعال نستثمر معاً، اجعل لأصحاب الأرض مكاناً يضمن كرامتهم في مشروع يقام على أرضهم.»
ويقولون لأنفسهم: «نحن مع التغيير والتطوير، شريطة أن يفتح لنا أبواب المستقبل دون أن يقتلعنا من الماضي.»
هنا بالضبط يبدأ التفاوض الحقيقي؛ لا بمنطق الغالب والمغلوب، بل بمنطق الشراكة العادلة بين دولة تسعى للتنمية، ومواطن يصر على أن يكون هو محورها وغايتها.

سيدي محمد التهامي