رحم اللھ الطحان ... فقد كان ارحم من احفاد ھ!

بواسطة yahya

 

يُحكى أن طحّانًا كان يأخذ من كل كيس قمحٍ نصيبًا زائدًا على أجرته. مات الرجل، وبقيت في أعناق الناس منه مظالم، فلم يجد في قبره من يترحم عليه.
فاجتمع أبناؤه وقالوا: لنترك الناس يكتشفون أن أباهم لم يكن سيئًا إلى ذلك الحد!
فزادوا ما يأخذونه من القمح، حتى صار القرويون يقولون:
«رحم الله أباهم… لقد كان أرحم بنا من أبنائه!»
ثم جاء الأحفاد، فاكتشفوا أن للأجداد طريقة ناجحة في إدارة المطحنة: كلما زاد الظلم، بدا السابق أكثر عدلًا.
وهكذا صار كل جيل ينهب أكثر من الذي قبله، وكلما رحل طحّان، خرج الناس من خلفه يقولون بحنين:
«رحم الله من سبق… كان أهون شرًّا من هؤلاء!»
وليس في الحكاية ما يدعو إلى الدهشة؛ فالدهاء حين يتحول إلى منهج، يمكن أن يجعل الناس لا يطالبون بالأفضل، وإنما يكتفون بالتحسر على الأسوأ الذي مضى.
وما أشبه الحكاية ببعض أحوالنا!
فمشكلتنا لم تعد في طحّان واحد، ولا في مطحنة واحدة، وإنما في عقليةٍ قد تجعل من المسؤولية موسمًا للحصاد، ومن المال العام حقلاً مفتوحًا، ومن المواطن كيس قمحٍ يُعاد وزنه كلما احتاجت المطحنة إلى المزيد.
والمفارقة أن كل شيء يُقدَّم في النهاية باسم الإصلاح، وكأن كلمة «إصلاح» أصبحت هي الأخرى كيسًا كبيرًا يوضع فيه كل شيء: الزيادات، والرسوم، والتدابير، والتبريرات… ثم يُطلب من المواطن أن يقتنع بأن ما خرج من المطحنة لم يكن دقيقًا، وإنما سياسة اقتصادية مطحونة بعناية!
أما المواطن، فقد تعلم بدوره درسًا قاسيًا: لا يفرح كثيرًا برحيل مسؤول، لأن التجربة علّمته أن القادم قد يجعل سلفه يبدو، فجأة، رجلًا من العصر الذهبي.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
أن يصبح معيار النجاح هو أن تكون أقل سوءًا ممن سبقك، وأن يتحول المواطن من المطالبة بحقه إلى الدعاء بالرحمة لمن أرهقه بالأمس، فقط لأن من جاء بعده أرهقه أكثر.
إن الدولة لا تُبنى بالمطاحن التي تستهلك الناس، ولا بالإدارة التي تجعل المواطن دائمًا هو المادة الخام، ولا بالإصلاح الذي يبدأ من جيبه وينتهي في جيوب أخرى.
الإصلاح الحقيقي هو أن تتوقف المطحنة عن طحن المواطن، وأن تصبح المؤسسات ميزانًا للعدل لا ميزانًا للغنيمة، وأن يعرف المسؤول أن المنصب أمانة مؤقتة، لا ميراثًا عائليًا يتوارثه «أحفاد الطحان».
أما إذا استمر كل جيل في إثبات أن الذي سبقه كان أرحم، فلن يكون السؤال يومًا: من الأفضل؟
بل سيصبح السؤال المخيف: كم بقي من القمح؟
وحينها قد نبحث في المطابخ فلا نجد طحينًا، وفي الخزائن فلا نجد مالًا، وفي الأمل فلا نجد إلا شيئًا قليلًا…
لكن لا بأس.
سيخرج علينا أحدهم مبتسمًا ويقول:
«اصبروا… هذه ليست مطحنة، إنها إصلاحات.»
وشهية طيبة… إذا وجد الطحين!

عبد االلھ ولد محمد ولد الحيمر