لماذا يحتقر المجتمع الفاشلين أكثر من الفاسدين؟

بواسطة yahya

 

ربما لم يعد الفساد أخطر ما يهدد المجتمعات، بل النجاح حين يتحول إلى عقيدة. فمنذ اللحظة التي أصبحت فيها قيمة الإنسان تقاس بما يملكه لا بما يكونه، بدأ الضمير يتراجع خطوة بعد أخرى، حتى وجد نفسه غريبا في عالم لا يعترف إلا بالنتائج. لم يعد السؤال هل أنت صالح؟ بل هل أنت ناجح؟. وكأن النجاح أصبح الشهادة الوحيدة التي تمنح الإنسان حق الاحترام، أما الأخلاق فلم تعد سوى زينة لغوية تصلح للخطب والكتب، لكنها لا تؤثر في المكانة الاجتماعية.

إن المجتمع الحديث لا يحاكم الفساد بقدر ما يحاكم الفشل. فالفاسد الذي يملك المال، أو النفوذ، أو الشهرة، يستطيع أن يشتري صورة جديدة لنفسه. يفتتح مؤسسة خيرية، يرعى فعالية ثقافية، يتحدث عن المسؤولية الاجتماعية، فيتحول فجأة من متهم إلى شخصية عامة تحظى بالتصفيق. أما الفاشل، فلا يملك حتى رفاهية الدفاع عن نفسه. يكفي أنه لم يصل، حتى يصبح وجوده نفسه محل إدانة.وتكمن المفارقة الأكثر قسوة المجتمع لا يغفر للفاشل لأنه يرى فيه ما يخشاه في نفسه، بينما يغفر للفاسد لأنه يرى فيه ما يتمنى أن يكون عليه. الفاشل يذكر الناس بإمكانية السقوط، أما الفاسد الناجح فيذكرهم بإغراء القوة. ولذلك يُحتقر الأول، ويُحسد الثاني.لقد نجحت الحضارة الحديثة في خلق وهم خطير، وهو أن النجاح دليل على الفضيلة. فإذا أصبح الإنسان ثريا، افترض الناس أنه ذكي. وإذا أصبح مشهورا، افترضوا أنه موهوب. وإذا وصل إلى السلطة، افترضوا أنه يستحقها. قلما يسأل أحد: بأي ثمن وصل؟ وكم ضميرا داس عليه في الطريق؟ وكم حقيقة شوهها؟ وكم إنسانا أزاحه ليجلس مكانه؟.إن المجتمع لا يحب الحقيقة، بل يحب القصص المريحة. وقصة النجاح هي أكثر القصص راحة؛ لأنها تمنح الجميع شعورا زائفا بأن العالم عادل، وأن من يجتهد سينجح حتما، وأن الفاشل مسؤول وحده عن مصيره. إنها قصة جميلة، لكنها نادرا ما تكون صادقة.فالواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. هناك من يخسر لأنه رفض أن يبيع ضميره، وهناك من ينتصر لأنه أتقن فن الخداع. هناك من يعيش مجهولا لأنه اختار الصدق، وهناك من يملأ الشاشات لأنه عرف كيف يصنع الوهم. ومع ذلك، لا يرى المجتمع إلا النتيجة النهائية، أما الطريق فلا يعنيه.

إننا لا نعيش في مجتمع يقدس الأخلاق، بل في سوق ضخم للمكانة الاجتماعية. وفي السوق لا تُقاس الأشياء بقيمتها، بل بسعرها. والإنسان ليس استثناء. فمكانته تحددها ثروته، ووظيفته، وعدد متابعيه، لا عمق فكره أو نظافة ضميره. لقد أصبح الإنسان مشروعا استثماريا، وأصبحت العلاقات الإنسانية أقرب إلى صفقات غير معلنة، يبحث فيها الجميع عن الربح، حتى لو كان الربح على حساب الكرامة.ولهذا السبب لم يعد الفساد يثير الصدمة كما كان في السابق. فالناس لم يعودوا يتساءلون هل هذا الرجل فاسد؟، بل هل نجح؟. فإذا نجح، وجد من يبرر له، ومن يصفه بالذكاء، ومن يحول انتهازيته إلى مرونة، وجشعه إلى طموح، وكذبه إلى حنكة. الكلمات نفسها أصبحت تخون معانيها، لأن المجتمع لم يعد يرى الأشياء كما هي، بل كما يريد لها النجاح أن تبدو.

أما الفاشل، فلا يجد من يدافع عنه، لأنه لا يملك ما يغري الآخرين بالوقوف إلى جانبه. إنه يعيش في عزلة مضاعفة عزلة الواقع، وعزلة الأحكام الاجتماعية. لا أحد يسأل عن ظروفه، أو عن الفرص التي حرم منها، أو عن المعارك التي خاضها بصمت. فالعالم لا يحب القصص التي تنتهي بالهزيمة، حتى وإن كانت أكثر صدقا من قصص الانتصار.وربما لهذا السبب يخاف الإنسان المعاصر من الفشل أكثر مما يخاف من فقدان ضميره. إنه مستعد لأن يكذب، وينافق، ويتنازل، ويخون، شرط ألا يوصف بأنه فاشل. فالوصمة الاجتماعية التي يحملها الفشل أصبحت أثقل من الوصمة الأخلاقية التي يحملها الفساد.لكن الحقيقة المؤلمة أن النجاح ليس دائما دليلا على التفوق، كما أن الفشل ليس دائما دليلا على العجز. فكثير من أعظم المفكرين والفنانين والعلماء ماتوا مجهولين أو فقراء، بينما امتلأ التاريخ بأسماء أثرياء وزعماء لم يبق منهم سوى صفحات سوداء. الزمن لا يحترم النجاح، بل يحترم الأثر. والمجتمع، في لحظة اندفاعه، كثيرا ما يخلط بين الاثنين.إن أخطر ما حدث في عصرنا ليس انتشار الفساد، بل انهيار المعايير التي تمكننا من تسميته فسادا. فعندما يصبح المال معيارا للحقيقة، تصبح الأخلاق قابلة للبيع. وعندما تصبح الشهرة دليلا على القيمة، يتحول الإنسان إلى إعلان عن نفسه، لا إلى ذات حقيقية. وهكذا يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والنجاح المصطنع، وبين المجد والضجيج.لقد كتب التاريخ أسماء كثيرة لم تحقق ثروة، لكنها غيرت العالم بالفكرة، بينما نسي آلاف الأثرياء الذين ملأوا زمانهم ضجيجا. وهذا يكشف أن المجتمع يعيش غالبا تحت سطوة اللحظة، أما التاريخ فيحاكم بمنطق مختلف. المجتمع يعجب بمن يربح، أما التاريخ فيسأل: ماذا ترك بعده؟

إننا لا نحتقر الفاشلين لأنهم بلا قيمة، بل لأن وجودهم يهدد الوهم الذي نعيش عليه. فهم يذكروننا بأن العالم لا يكافئ دائما من يستحق، وأن العدالة ليست قاعدة، وأن الحياة لا تسير وفق الشعارات التي نرددها. ولهذا يصبح الفاشل شخصا مزعجا؛ لأنه يكشف التناقض بين ما نقوله عن الأخلاق، وما نمارسه في الواقع.لا يكشف احتقار الفاشلين عن حقيقتهم، بل عن حقيقة المجتمع نفسه. إنه مجتمع يرفع النجاح إلى مرتبة العقيدة، ويخفض الضمير إلى مرتبة الهواية. مجتمع يمنح الاحترام لمن يملك، لا لمن يستحق، ويقيس الإنسان بما حققه من مكاسب، لا بما حافظ عليه من مبادئ.وربما لا يكون السؤال لماذا يحتقر المجتمع الفاشلين أكثر من الفاسدين؟ بل: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها النجاح قادرا على غسل الخطايا، بينما أصبح الشرف عاجزا حتى عن حماية صاحبه من الاحتقار؟.حين يصبح النجاح بديلا عن الحقيقة، والثروة بديلا عن الكرامة، والصورة بديلا عن الجوهر، فإن المجتمع لا يفقد أخلاقه فحسب، بل يفقد أيضا قدرته على معرفة الإنسان. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الفساد هو الاستثناء، بل يصبح القاعدة، أما النزاهة فتتحول إلى عمل بطولي نادر، يدفع صاحبه ثمنه من مكانته، وربما من حياته كلها.

#زكريا_نمر